ليبيا: عودة لوكربي والعودُ غير أحمد

ليبيا: عودة لوكربي والعودُ غير أحمد

الخميس - 1 جمادى الأولى 1444 هـ - 24 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16067]

قضية لوكربي أطلت فجأة مجدداً برأسها، هذه الأيام، في ليبيا. المتابع للقضية التي ظهرت، أول مرة، في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر (كانون الأول) 1988، ربما لا يتردد في تشبيهها بحبل أنشوطة وضع حول رقبة ليبيا ولا فكاك منه. هذه المرة، طفت القضية على السطح، ومن حيث لا أحد يدري أو كيف!
السؤالُ عن المعنى والهدف من هذا الظهور المفاجئ، يظل بلا إجابة. وما حدث هو أن وسائل الإعلام الليبية ومواقع التواصل الاجتماعي، بدأت في نشر تصريحات وبيانات صادرة من شخصيات قانونية وسياسية، تدين فتح ملف قضية لوكربي من جديد، وفي الوقت ذاته تتساءل عن مصير مواطن ليبي اسمه أبو عجيلة مسعود، وهو عميد سابق في جهاز المخابرات الليبية.
المواطن المذكور، طفا اسمه أول مرة على سطح الأحداث، خلال التحقيقات في قضية تفجير طائرة «بانام» رحلة 103 فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية عام 1988. التحقيقات أسفرت في النهاية عن إدانة شخصين هما السيد محمد الأمين فحيمة والراحل عبد الباسط المقرحي. وانتهت قضائياً ببراءة الأول منهما، وبإدانة الثاني وسجنه. وأفرج عنه بعد قضائه عدة سنوات في السجن، لأسباب صحية وإنسانية، نتيجة إصابة مزمنة بسرطان البروستاتا. القضية تمت تسويتها بدفع ليبيا كافة التعويضات المالية المطلوبة، ووقعت ليبيا مع الولايات المتحدة اتفاقية بالخصوص في شهر أغسطس (آب) عام 2008، وأصدر الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، أمراً رئاسياً رقم 13477 بتاريخ 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2008، بقفل الجانب المدني في القضية. إلا أنه بعد انتفاضة فبراير (شباط) 2011، عادت القضية إلى الواجهة. وكلما أقفل الملف، وُجد من يفتحه مجدداً. وبخصوص اختفاء السيد أبو عجيلة مسعود، فإن مواقع وسائل التواصل الاجتماعي الليبية تتحدث عن قيام وحدة عسكرية تابعة لحكومة الوحدة الوطنية باعتقال السيد مسعود في مدينة مصراتة. وتشير إلى احتمال تسليمه للسلطات الأميركية. لكن الخبر بلا مصدر موثوق، ويظل في منزلة الشائعة، والحكومة التزمت الصمت إزاءه. الجدير بالذكر، أن السيد مسعود تعرض بعد انتفاضة فبراير 2011 للاعتقال لعدة سنوات ثم أفرج عنه. وخلال فترة اعتقاله تم التحقيق معه في حادثة تفجير الطائرة، والمدعي العام الأميركي كشف في عام 2020 أنه تسلم نسخة من تلك التحقيقات من قبل وزير ليبي.
وفوجئنا، هذه الأيام الأخيرة، بتصريح في وسائل الإعلام الليبية، صادر عن مندوب ليبيا لدى المحكمة الجنائية الدولية، وأستاذ القانون بجامعة بنغازي، المستشار أحمد الجهاني، يدين فيه إعادة فتح ملف قضية لوكربي، ويعده أمراً غير واقعي وغير ممكن، باعتبار أن «الملف أقفل إقفالاً محكماً»، حسب وصفه. وتلا ذلك التصريح، إدراج منشور على مواقع الإنترنت باسم مستشار الأمن القومي السيد إبراهيم بوشناف يحذر فيه حكومة السيد عبد الحميد الدبيبة من مغبة فتح ملف لوكربي مجدداً. ودعا كافة الفصائل السياسية الليبية إلى الوقوف صفاً واحداً ضد أي محاولة لفتح الملف، معتبراً الأمر قضية وطنية ليبية، منبهاً إلى أن إعادة فتح الملف «سيعرض ليبيا إلى الاستباحة». ولم يتطرق أي منهما إلى قضية اختفاء السيد مسعود.
وأعقب ذلك مباشرة، بيانٌ، صادر في اليوم ذاته، عن المجلس الأعلى للدولة يحذر بدوره حكومة السيد عبد الحميد الدبيبة من نتائج فتح ملف لوكربي، وفي الوقت ذاته، يطالبها بكشف خفايا واقعة اختفاء ضابط المخابرات السابق السيد أبو عجيلة مسعود.
السيدة وزيرة العدل في حكومة الوحدة الوطنية، بقيادة السيد الدبيبة، سارعت هي الأخرى بنشر تصريح فيما بعد، أكدت فيه «أن قضية لوكربي أغلقت بالكامل سياسياً وقانونياً». وتأكيدها يمثل الموقف الرسمي للحكومة من القضية.
وتبين فيما بعد أن ما أثار الضجة تصريح زُعم أنه صدر عن وزيرة الخارجية السيدة نجلاء المنقوش، بإعادة فتح ملف قضية لوكربي. وشخصياً، لم أطلع على التصريح المذكور. لكني، خلال عملية البحث في الإنترنت، وجدتُ تصريحاً صدر في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، لرئيس الحكومة السيد الدبيبة، يطالب فيه بإعادة التحقيق في ملف القضية، «لأن هناك من لا يعرفها»، حسب قوله.
وبالتأكيد، من حقنا أن نتساءل، عن الأسباب وراء إعادة هذا الملف، وفي هذا الوقت بالذات. وأنه لو صح الزعم بصدور تصريح عن السيدة المنقوش وزيرة الخارجية، فمن حق الليبيين مطالبتها بتوضيح الأسباب والدوافع. وكذلك، ضرورة التوضيح للرأي العام الليبي مدى صحة اختفاء السيد مسعود من عدمها.
وأعترف أنني ما كنت لأصدق بيان المجلس الأعلى للدولة، لو كان هو المصدر الوحيد للخبر، لما يتسم به رئيسه من انتهازية سياسية، وكذلك بسبب سوء العلاقة بينه وبين رئيس الحكومة السيد الدبيبة. إلا أن التصريحين الصادرين عن السيدين الجهاني وبوشناف يؤكدان صحة الخبر، الأمر الذي يضفي مصداقية على عودة المخاوف.
فهل يعني ذلك فعلياً أن وراء الأكمة ما نجهل، ويجعلنا نرتاب ونخشى، أم أن الأمر لا يتعدى كونه مجرد بالون اختبار آخر لقياس ردود الفعل، كما في المرات السابقة؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو