فليوحدنا الفضاء

فليوحدنا الفضاء

الثلاثاء - 13 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 08 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16051]
داود الفرحان
كاتب عراقي

بعد أن قرر مجلس الوزراء السعودي في الأسبوع الماضي إنشاء «المجلس الأعلى للفضاء» برئاسة ولي العهد، فإننا نتوقع أن يكون ذلك تحركاً جاداً في هذا المجال الحيوي. نتمنى أن تكون للوطن العربي وكالة فضاء عربية واحدة أسوة بالاتحاد الأوروبي. وقد يقول قائل ليس من الحكمة ولا الاقتصاد ولا العِلم أن يكون لكل دولة عربية أقمارها ووكالة فضائها. ولكن يمكن إقامة كليات تعليمية متخصصة في كل عاصمة عربية تملك إمكانيات علمية وفنية ومادية. وقد انتشرت كليات علوم الفلك والفضاء حول العالم، ومن أفضلها الكليات الأميركية والبريطانية والصينية والإيطالية والأسترالية واليابانية والفرنسية. والدراسة موزعة على اختصاصات قياس مواقع النجوم وحركة الكواكب والأقمار في المجموعة الشمسية والفيزياء الفلكية، وفيزياء الكون. لكن قيادة الأقمار شأن آخر أكثر صعوبة وتعقيداً سواء في محطة الإقلاع أو تنفيذ المهمات.
يستحق المواطن السوفياتي يوري غاغارين لقب «المواطن الفضائي الأول»، فهو من قاد الرحلة البشرية الفضائية الرائدة، عندما حلق إلى الفضاء الخارجي في 12 أبريل (نيسان) 1961. ودار حول الأرض ليعلن بدء عصر الفضاء. وبعد ست سنوات في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1967 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أول دستور فضائي أممي أطلقت عليه اسم معاهدة «كارتا ماجنا»، أي الميثاق الأعظم، وكانت هذه التسمية معروفة في إنجلترا في عام 1215م وتطلق على «الحريات في الغابة»، وهي تضمن أن يمنح ملك إنجلترا حريات معينة لنفسه ولرعاياه، وعدم معاقبة أي «مواطن حر» إلا بموجب هذا القانون الذي ما زال قائماً حتى اليوم في إنجلترا للحد من سلطات الملك أو الملكة في كل الدول المرتبطة بالأسرة المالكة الإنجليزية. وتأثر دستور الولايات المتحدة بهذه الوثيقة المعمرّة التي اعتمدها الاتحاد السوفياتي في الفضاء الخارجي فقط ولم يطبقها على الأرض لا في زمن القادة السوفيات الشهيرين منذ ستالين إلى خروشوف إلى انهيار الاتحاد السوفياتي ولا بعد قيام روسيا.
ومنذ ذلك التاريخ اختلفت الأنظمة والقوانين والأزياء والاختراعات والابتكارات. ولم يعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مهتماً بمعاهدة «كارتا ماجنا»، بعد أن انشغل بأوكرانيا ورئيسها فولوديمير زيلينسكي وكيفية تصدير الحبوب إلى خارج روسيا وأوكرانيا، وتسيير الطائرات بلا طيارين لقصف محطات الطاقة والكهرباء والمدن العامرة وغير العامرة.
ويقول العلماء إن هناك علاقة جدلية بين الفضاء الخارجي والاستدامة الأرضية، سواء في الاستكشافات أو المناخ أو التلوث البري والبحري في الدول المتقدمة والدول النامية.
يضم «نادي الفضاء الدولي» منذ عام 1957 الاتحاد السوفياتي السابق (روسيا اليوم) حين أطلق أول قمر صناعي في مدار أرضي منخفض، تلاه نجاح جزئي لقمر صناعي يحمل الكلبة «لايكا»، التي لم تعد إلى الأرض. وفي العام نفسه أطلقت الولايات المتحدة أول أقمارها الصناعية الذي انفجر في مدى الإطلاق. لكن الولايات المتحدة عادت في اليوم التالي إلى إطلاق قمر أرضي مداري آخر من منصة كاب كانافيرال لتصبح أميركا القوة الفضائية الثانية. وعادت في العام نفسه إلى إطلاق قمر آخر في المدار نفسه، لكنَّه انفجر بسبب خلل في القاذف. وفي عام 1958 أيضاً أطلقت الولايات المتحدة قمرين آخرين لدراسة الكرة الأرضية، ويفترض أنهما سيظلان يدوران في المدار نفسه لمدة 240 سنة... والله أعلم. وكانت البدايات في ذلك العام غير ناجحة؛ فأحد الأقمار لم يصل إلى القمر كما كان مقرراً، والثاني فشل وعاد إلى الأرض بعد 43 ساعة في الفضاء، وتلاه آخر عاد فاشلاً بعد 38 ساعة. وذاق الاتحاد السوفياتي في عام 1959 طعم الفشل لعدم وجود مجال مغناطيسي بالقرب من القمر. واستمرت التجارب السوفياتية والأميركية بين نجاح جزئي وفشل. هكذا كانت البداية، ونحن نرجو أن تستفيد المشاريع السعودية بعد إنشاء المجلس الأعلى للفضاء، والمشاريع العربية الأخرى من تجارب النجاح التي توالت بعد ذلك منذ سنوات الستينات إلى اليوم، مع تطور تكنولوجيا منصات الإطلاق والعودة الناجحة في وكالة «ناسا» الفضائية، باستثناءات قليلة أشهرها انفجار المركبة الفضائية تشالنجر في عام 1986 بعد إطلاقها بدقائق ووفاة جميع أعضاء الطاقم ومن بينهم سيدة.
ودخلت في سباق الفضاء عدة دول منها هولندا واليابان والبرازيل والمكسيك والسويد وفرنسا ولوكسمبورغ والهند وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية وأوروغواي وبلجيكا وتركمانستان وكندا والاتحاد الأوروبي.
والمفاجأة أن وزارة النقل والمواصلات العراقية أعلنت في عام 2019 أنها تنسق مع الحكومة الفرنسية لتنفيذ مشروع قمر صناعي، مع أن جميع طائرات الخطوط الجوية العراقية قديمة وتعود إلى العهد السابق قبل الاحتلال في عام 2003. وأكثر من ذلك تسعى الوزارة العراقية إلى تأسيس وكالة فضاء عراقية بعد الحصول على قرض من باريس! وفجأة انتهى التنسيق ومات المشروعان بالسكتة القلبية، بعد أن شاع أمر العملات!
الآن تحوم بعض المحطات الفضائية الكبيرة في مدارات حول كواكب عطارد والزهرة والمريخ والمشترى وزحل وعدد قليل من الكويكبات والمذنبات والشمس؛ وتمتلك القسم الأكبر من هذه المحطات الولايات المتحدة ووصل عدد الأقمار إلى 1897. تليها الصين في المركز الثاني بعدد 412 قمراً ثم روسيا في المرتبة الثالثة بـ170 قمراً. ومعظم هذه الأقمار للتجسس سواء في فترات السلم أو الحروب ثم أقمار الاتصالات أو رصد المناخ والزلازل. ومن الحوادث النادرة اصطدام قمرين على مدار واحد، وحدث ذلك في عام 2009 حين اصطدم قمران للاتصالات أحدهما أميركي والآخر روسي. وتختلف تكلفة الأقمار حسب إمكانياتها وتطورها وأعمارها الافتراضية فهي تتراوح بين 20 مليون دولار إلى أكثر من 200 مليون دولار. وتلعب هذه الأقمار دوراً بلا حدود في الحرب الروسية - الأوكرانية الحالية؛ فقد رصدت الأقمار الأميركية الحشود العسكرية الروسية على الحدود الأوكرانية قبل بدء الحرب بأسابيع في فبراير (شباط) 2022. وما زالت ترصد اتجاهات الصواريخ وأنواعها وجنسياتها، وكذلك تحدد نوعية الطائرات المسيّرة.
ولعبت الأقمار الصناعية التابعة لمحطات مختلف الدول العربية والأجنبية، دوراً لا يمكن نسيانه على مدى التاريخ، في أول نقل تلفزيوني فضائي مباشر ومستمر طوال الأسابيع الأولى لحرب احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا في عام 2003. وقبل ذلك رصد قمر محطة «سي إن إن» الأميركية الإخبارية الرائدة عملية تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك في يوم لن تنساه أميركا والعالم كله (11 سبتمبر (أيلول) 2001). كما نقل قمر هذه المحطة هروب الجيش الأميركي وطاقم السفارة الأميركية من العاصمة الأفغانية كابل، بعد عشرين عاماً من الاحتلال الأميركي لأفغانستان. ولا تستطيع الإدارة الأميركية الحالية نكران الهزيمة، لأن أقمار الرصد العالمية، ومنها قمر «سي إن إن» نقلت على الهواء دقيقة بدقيقة الهزيمة الفاضحة لأقوى جيش في العالم، وشاهدنا عبر تلك الأقمار هروب عملاء أميركا على الطائرات العسكرية، وسقوط بعضهم من فوق أجنحتها.
نأمل أن تنقل للعالم قريباً هذه الأقمار إن شاء الله، هروب عملاء نظام ملالي إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
سعداء بالمجلس الأعلى للفضاء برئاسة ولي العهد السعودي، ونشجع توحيد الجهود والإمكانات والأقمار العربية بلا حساسيات مثلما فعل الاتحاد الأوروبي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو