كان معرض الرياض للكتاب الأخير فرصة لي للعودة إلى بلاد الحرمين الشريفين بعد أكثر من عشر سنوات، فقد زرتها آخر مرة في جمادى الأولى 1432/ أبريل (نيسان) 2011 في عهد الملك الراحل المغفور له بإذن الله عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، لألقي محاضرة على هامش مهرجان الجنادرية الشهير، وفي إحدى أعرق جامعاتها وأكثرها شهرة آنذاك وثقلاً في الدراسات الإسلامية جامعة الإمام حول التنوير في العالم العربي.
كان عنوان الندوة مغرياً وغير منتظر في جامعة إسلامية كانت بمثابة حارسة للتقليد الإسلامي، والجامعات هي في الأعم الأغلب موطن المحافظة ولا تميل إلى التغيير إلا بمقدار. كان اختيار العنوان مؤذناً بأن شيئاً ما يتغير أو لعله بدأ في التغير.
كان إلى جانبي المترجم المعروف هاشم صالح، وأحد وزراء الأوقاف المغاربة القدامى آنذاك، وكانت الصفوف الأولى تشهد نخبة من أساتذة الجامعة. علمتُ لاحقاً أن بعضهم من دول عربية مختلفة، وعند الانتهاء من المحاضرة توجهت بالسؤال مباشرة إلى الطلبة الحاضرين الذين لم يكتفوا بوقت المحاضرة، بل جاءوا إلى النزل ليلاً حيث أقيم، ليستمعوا ويناقشوا مجدداً فيما تحدثت فيه، وقضينا وقتاً طويلاً جداً، وأعلموني أنهم يلتهمون كل ما ينشر في العالم العربي من كتب حول الدين والفلسفة، ويقرأون باللغات الأجنبية، واكتشفت من خلال تلك الجلسة الليلية الطويلة أنني أمام جيل جديد ينشأ من رحم جيل قديم... جيل جديد شاهد على عمق التحولات التي أحدثتها هذه الثورة الرقمية العالمية وما تركته في نفوس الشباب.
هذا الجيل الذي جاءني ليلاً من أقصى المدينة يسعى ليسأل ويناقش هو نفسه الذي التقيته بعد أكثر من عشر سنوات في معرض الرياض للكتاب شاهداً على تغير كبير أصاب المملكة، فهو اليوم من يؤسس المشهد الإعلامي والفكري في المملكة، ونشأ من بعده جيل جديد يقطف ثمار ما كنت شاهداً عليه في هذا الأسبوع الذي قضيته، فقد التقيته سائلاً ومحاوراً ومعترضاً في مختلف أروقة المعرض، وكان هو المبادر في كثير من الأحيان مستوقفاً، فقد كان يعرف كتاباتي ومحاضراتي متابعاً لي وإن تناءت المسافات، وهو في كل ذلك متخفف من عبء قديم. وجلست أيضاً إلى التلفزيون السعودي يسألني في مسائل الدين والتعليم وفي قضايا ما كنت أحسب أن أسال عنها يوماً في بلاد الحرمين وأمام جمهور عريض تصل إليه القنوات التلفزية من دون أن أشعر بالحرج أو الضيق أو الضغط.
في زيارتي الأخيرة شدني أمران بالغا الأهمية، فقد كانت دهشتي الأولى كبيرة حينما رأيت حجم التحول الرقمي في بلاد الحرمين، فمن المطار إلى سيارات الأجرة إلى النزل إلى الشراءات البسيطة وحتى العقارات إلى التحويلات إلى المعاملات بأنواعها، صارت بلاد الحرمين بلداً رقمياً بالكامل أو يكاد، ولم أصدق في الحقيقة ما سمعته ذات يوم من الاقتصادي الأردني الشهير طلال أبو غزالة، في فيديو متداول، حينما قال إن التحول الرقمي في المملكة لا تشاهده حتى في الولايات المتحدة، فالهاتف الذكي صار بمثابة بوابة الدخول إلى عالم لا تزال بعض بلاد العرب الأخرى على أعتابه، وهو أمر لافت منذ أول وهلة لا تحتاج إلى أن تبحث عنه أو تسأل إنما يأتي إليك برفق.
غير أني لم أعجب لشيء قدر إعجابي بهذه الثورة الرقمية التي صاحبتها ثورة لغوية عظيمة حملت اللغة العربية من عالم مليء بالقداسة إلى عوالم التكنولوجيا، بعد أن أخرجتها صحافة عصر النهضة العربية والشوام عموماً من عالم القرون الوسطى، أو كما قال جبران عن حق «في العربية خلقت لغة جديدة داخل لغة قديمة كانت قد بلغت حداً بالغاً من الكمال». إنها برمجيات رقمية في لغة عربية جميلة وأنيقة في الأعم الأغلب تعكس اهتماماً بالتعريب وخدمة اللغة العربية يعز نظيره في بلدان المغرب العربي على الأقل، وحينما تنظر في أروقة المعرض ترى حجم الجهد للتحول إلى الحضارة الرقمية في نشر الكتب وطباعتها، وفي مجهودات وزارة المعارف من تباشير تحول رقمي عظيم في البرامج والكتب المدرسية والأنشطة التفاعلية، وحين تعرف حجم ما يتم في الجامعة الافتراضية السعودية من جهد خرافي حقيقة في إدخال الشباب الجامعي إلى حضارة القرن القادم من جهة تقنيات التأليف والكتابة والتقصي الببليوغرافي والنشر في أرقى المراجع العلمية بأفضل المواصفات العالمية، تعلم أنك أمام دولة من العيب أن يصفها من لا يعرف أنها مجرد خزان من النفط والمال، بل قبل هذا وبعده تقف على تسييرها عقول أدركت أن العالم يتحول وأنها تسارع إلى أن تحجز لها وللثقافة العربية ولغتها مكاناً مرموقاً وحين تقارن بين هذا كله وحال بعض بلاد العرب التي كانت في الستينات قدوة لهذا العالم العربي، والتي تزخر جامعاتها بالعقول التي ساهمت وتساهم في نماء الدول العربية وبعض الأوروبية تدرك أن كل المخزونات الاستراتيجية يمكن تعويضها إلا المخزون الاستراتيجي من العقول والأدمغة التي إذا ما دفعها إلى الهجرة والتهجير فإنها لن تعوض أبداً.
تلاحظ ثورة أخرى خفية وقد بدأت تباشيرها ممثلة في منزلة المرأة السعودية، فهي حاضرة بشكل لا يصدق في هذا المعرض من جهة العدد والمسؤوليات التي تتحملها في إدارته وتنظيمه، ولقد رأيت المرأة السعودية كما لم أرها من قبل، فقد بدأ ينزاح عنها تدريجياً كل ما كان يقعد بها عن أن تساهم في خدمة بلدها، فقد رأيتها جامعية لامعة تدير جلسات علمية باقتدار وقد تخرجت من أفضل الجامعات الأوروبية والأميركية، ورأيتها مقبلة على الحياة تلهف الكتاب لهفاً مع أدب جم.
لقد بدأت في السعودية حركة لا أظنها ستهدأ وهي قد تتباطأ يوماً ولكنها لن تعود إلى الوراء ولن تتوقف، وقد كتب سلامة موسى ذات يوم عن النهضة العربية التي كانت بلاد الحرمين تقف خارجها عندما كانت حواضرها الثلاث هي مصر ولبنان وتونس، قائلاً «لقد انطلقت في أيامنا حيوية جديدة في بلادنا تجدد القيم والأوزان في معاني الحياة والاجتماع والرقي، ولكننا لا نزال في اختلاط وارتباك وتردد لا نعرف هل نأخذ بالقيم القديمة أم بالقيم الجديدة». ويبدو أن هذا الارتباك والتردد قد ولى وانتهى في بلاد الحرمين، وأدرك القائمون على هذه البلاد أن أسوأ ما يخشى هو العجز عن هزم القرون الوسطى في حياتنا والعودة إلى دعوة عودوا إلى القدماء». وحين ترى الفلسفة تشق طريقها في هدوء إلى برامج التعليم، وجمعياتها تنتشر، والندوات الدولية إليها تدعو المشتغلين بها إلى الحلول ببلاد الحرمين، تعرف أن قطار التغيير قد انطلق ولن يتوقف.
لقد رأيت بأم عيني كيف بدأ مجتمع كامل يتحرك بثبات نحو المستقبل، وهو أمر مفهوم، فهو ليس أي مجتمع، ومن يشكك في هذا الذي وصفت عليه أن يدرك، كما أدركت، ذلك منذ زمن طويل أن هذا البلد سيتغير لا محالة، وعلى المنصف ألا يقارنه بأي من البلاد العربية الأخرى الواقعة على الأطراف، فمنزلته الدينية وإرثه الديني والتاريخي تحتم عليه أن يسير برفق، وهو لا يتحمل المغامرات غير المحسوبة، وحين سينهض هذا البلد نهضته الأخيرة سيجر من ورائه كل العالم الإسلامي الذي ينظر إليه مترقباً.
لقد كتب الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي آلان بيرفيت Alain Peyrefitte ذات يوم كتاباً ظل عنوانه السجعي في اللغة الفرنسية راسخاً إلى اليوم في أذهان كل من قرأه، وهو «عندما تستيقظ الصين سيرتعد العالم كله»، وليس من المبالغة في شيء القول إنه متى استيقظت السعودية فسيتغير كل العالم الإسلامي شرط أن تكون البوصلة هي الأخذ بأسباب العلم والتوجه إلى المستقبل… ولي إلى هذا عودة مع فضل بيان.
* أستاذ الدراسات اليهودية
والأديان المقارنة بالجامعة التونسية
8:32 دقيقه
TT
«السعودية الجديدة» بعيون تونسية!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
