حرب أوكرانيا: هل تحول التكهن إلى حقيقة واقعة؟

حرب أوكرانيا: هل تحول التكهن إلى حقيقة واقعة؟

الأربعاء - 24 صفر 1444 هـ - 21 سبتمبر 2022 مـ رقم العدد [16003]
روس دوثات
كاتب من خدمة «نيويورك تايمز»

صيف الحرب في أوكرانيا، الذي كان وحشياً في نظر الجنود والمدنيين على الخطوط الأمامية، كان واضحاً من بعيد كطريق مسدود، ومحبطاً بالقدر الكافي في تشاؤمه الصارخ للفرار من عناوين الصحف الرئيسية الأميركية لبعض الوقت.
والخريف والشتاء مختلفان، ويمنحان إجابات عن السؤالين اللذين يحددان مدة الحرب: أولاً، ما المساحة التي تستطيع أوكرانيا تحريرها من الاحتلال الروسي؟ وثانياً، إلى أي مدى قد يكون الشتاء الأوروبي قاتماً وبائساً في ظل انقطاع إمدادات الطاقة الروسية الاعتيادية، وما العواقب السياسية التي تترتب على ذلك؟
نحن في بداية كلتا القصتين. وأخيراً، بدأ الهجوم الأوكراني المضاد الموعود منذ فترة طويلة — عند أحد طرفي خط الجبهة، زحف مفاجئ ومثير نحو الشرق من حول خاركيف التي تسيطر عليها أوكرانيا، ومن ناحية أخرى تقدم أبطأ نحو خيرسون، رأس الجسر الرئيسي الوحيد لروسيا غرب نهر دنيبرو. ويبدو أن هجوم خاركوف أحدث حالة من الفوضى بين القوات الروسية، وأسفر عن تحرير المدن، والمناطق المهمة، وزرع الفزع والغضب لدى الجانب الروسي.
في الأثناء ذاتها، فإنَّ الرد الروسي على الشجاعة الأوكرانية والأسلحة الغربية على وشك أن يدخل حيز التنفيذ الكامل. فقد أُغلق خط أنابيب نورد ستريم 1، في حين يسعى قادة أوروبا جاهدين للتأهب لارتفاع محتمل في تكاليف الطاقة قدره 2 تريليون دولار، ويحاول الجميع التنبؤ بالعواقب المترتبة على ذلك - من الركود الضحل إلى «التوقف الكامل» الذي يهدد بتقويض التصنيع، من الدعم الأوكراني الصارم وحتى التمرد الشعبوي.
في زمن الحرب، هناك علاقة حيوية ما بين الأحداث على الجبهة والوضع السياسي وراء الخطوط. ويتوقع بعض المتشائمين الغربيين، الذين تحركهم سنوات من فشل النخبة، أن تكون الجبهة الداخلية الأوروبية بمثابة المسرح الحاسم، أي المكان الذي تُولد فيه غطرسة الصقور تمرداً داخلياً ضد التزام غير محدود حيال أوكرانيا.
هذا بالتأكيد أمل فلاديمير بوتين، لكن تخميني أنَّ التفاعل سوف يتحرك في الاتجاه الآخر - أن الأحداث في ساحة المعركة ستكون حاسمة، وتُحدد ماهية تجرية الحرب سياسياً في ألمانيا، فرنسا أو بريطانيا الملك تشارلز الثالث. إذا استمرت أوكرانيا في إحراز تقدم عسكري، وإذا بدت الهزيمة المباشرة التي لحقت بروسيا في متناول اليد، فإنَّ أوروبا سوف تتمكن من تحمل شتاء الاستياء من دون تمرد مناهض للحرب. ومن جهة أخرى، إذا توقف التقدم الأوكراني، وبدت الحرب كأنَّها محكوم عليها بحالة جمود تمتد لعدة سنوات، فإن المؤسسة السياسية الغربية سوف تضطر إلى بذل مزيد من الجهود من أجل السلام، وإلا فسوف تجد نفسها مدفوعة من الأسفل.
كانت هناك بالفعل أسباب وجيهة للأمل في إحراز تقدم قبل الاختراقات الأوكرانية الواضحة. وبرغم أنه يبدو أن حكومة بوتين تتغلب على العقوبات، فإنَّ موسكو غير راغبة أو غير قادرة على شن حملة تعبئة عامة، ولديها صعوبات واضحة في استخدام الذخائر، والمعنويات، والميزة الروسية التقليدية في القتال الشتوي لا تنسحب على الحالة التي يكون فيه الروس أنفسهم هم القوة الغازية.
لذا فمن المعقول أن نتصور دورة إيجابية من ردود الفعل العسكرية السياسية، حيث تساعد المكاسب الأوكرانية الثابتة في دعم الإرادة الأوروبية، ونقل تحالف الأمر الواقع خلال فصل الشتاء إلى عام 2023 الذي ربما يكون أفضل.
لكن هناك مجموعة من السيناريوهات ضمن هذا المستقبل المأمول، وكل معضلة من المعضلات الراهنة، حيث قد لا تقل الواقعية والتشاؤم أهمية عن التفاؤل والعزيمة.
في أفضل السيناريوهات العسكرية، حيث ينتهي الأمر بالروس إلى التراجع عن الخطوط الأمامية الحالية، يتمثل الخطر في أن اليأس قد يدفع موسكو نحو سياسة حافة الهاوية النووية - لا سيما بالنظر إلى الموقف الاستراتيجي الروسي الذي يتصور استخدام الأسلحة النووية التكتيكية لعكس الهزائم في ساحة المعركة. كما تلقت الولايات المتحدة الدرس بتكلفته الباهظة في الحرب الكورية، عندما أدى الهجوم نحو نهر «يالو» إلى تدخل صيني غير متوقع، فإنَّ السؤال الراهن: إلى أي مدى ينبغي للجيش المنتصر أن يندفع ليس سهلاً، وسواء كان في شبه جزيرة القرم أو دونباس، قد يكون هناك خط غامض محفوف بالمخاطر الجمة حال عبوره.
كبديل عن ذلك، هناك سيناريو يتحرك فيه الهجوم الأوكراني المضاد لبعض المسافة، لكنه يبقى بعيداً عن خطوط السيطرة التي كانت سائدة قبل الحرب. على سبيل المثال، قد يدفع الأوكرانيون الروس إلى العودة إلى نهر دنيبرو، وتحرير خيرسون، لكنهم يجدون أنفسهم غير قادرين على استعادة الأراضي على الجانب الشرقي من النهر. وفي ظل هذا النوع من المواقف، وبعد تحقيق الانتصارات ثم العودة إلى طريق مسدود، فإنَّ الحجج الداعمة إلى وقف إطلاق النار سوف تتعزز، ليس بدافع أي تفاؤل بشأن اعتبار موسكو شريكاً في السلام، وإنما من أجل إبقاء الدعم الغربي على أساس مستدام ومتوازن، ومنح أوكرانيا الحيز اللازم لتحقيق التعافي الاقتصادي والديموغرافي.
طوال فترة الحرب، كانت السياسات المباشرة لصقور أوكرانيا مبررة في الأغلب، حتى مع أن استراتيجيتهم طويلة الأجل ظلت أكثر إثارة للشكوك. ومن المرجح أن يكون هذا هو الموسم الذي تُغلق فيه هذه الفجوة، حيث يتحول التكهن إلى حقيقة واقعة، ونتعلم المزيد عن معنى الحرب في الأمد الأبعد.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو