يحظى التشيليون بعلاقة مباشرة أكثر مع دستورهم. وسوف يقرر الناخبون يوم الأحد ما إذا كانوا سيوافقون على استبدال الدستور الحالي الذي يرجع إلى عام 1980 وخضع للتعديل الجوهري مرات عدة (صوّت التشيليون يوم الأحد الماضي بأغلبية ساحقة بلغت 62 في المائة ضد مشروع دستور جديد – المحرر).
هذه الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية هي ديمقراطية رأسمالية مع مجموعة مألوفة من العلل. صحيح أنها مزدهرة، لكن المنافع تراكمت على الأغلب في أيدي قلة محظوظة. وترسخت أشكال التفاوت في الثروات والفرص، ويشكل التدهور البيئي تحديات متزايدة، مع فقدان العديد من سكان تشيلي الثقة بالنظام السياسي المستقطب والمتصلب.
لإتاحة مسار مغاير لبلادهم، خلص سكان تشيلي أنهم في حاجة إلى قواعد مختلفة. وفي استفتاء جرى قبل عامين، صوّت نحو 80 في المائة من الناخبين لصالح استبدال الدستور الحالي.
قد تسرع الدول في إعادة كتابة مواثيقها الوطنية. منذ عام 1789، بقي الدستور متوسط المدة قائماً لمدة 17 عاماً فقط، وفي بعض الأحيان كانت صياغة دستور جديد بمثابة تحول عن العمل الجاد لبناء مؤسسات أفضل والاستثمار في الإصلاحات الدائمة. لكن في أحيان أخرى يكون التغيير ضرورة، واحتمال التغيير بحد ذاته يعكس القوة المحركة في الخطاب السياسي للأمة.
تأسس الدستور التشيلي الحالي في عهد أوغستو بينوشيه الديكتاتوري. ورغم أن النص الحالي لم يعد يتضمن بعض الأجزاء الأكثر مناهضة للديمقراطية من النص الأصلي، فإن إحلال هذا النص في نظر العديد من سكان تشيلي يشكل خطوة ضرورية في عملية تحويل البلاد إلى مجتمع ديمقراطي حقيقي.
تبلورت المطالب بدستور جديد في خريف 2019، وسرعان ما اتسعت رقعة الاحتجاجات التي أثارها ارتفاع أسعار أجرة العبور في سانتياغو، العاصمة التي تضم أكثر من ثلث سكان البلاد، إلى ما سماه التشيليون انفجار الغضب الشعبي ضد الحكومة. واستمرت الحشود في النزول إلى الشوارع يومياً لأسابيع بلا انقطاع وأغلقت المدارس، وأحرقت محطات المترو. ويبدو أن تشيلي كانت مستسلمة للتقلبات السياسية التي نزلت بجيرانها، إلى أن وافقت الحكومة على إجراء استفتاء على دستور جديد.
كانت إيريكا غونزاليز (76 عاماً) من المؤيدين النشطين لسلفادور أليندي، الرئيس اليساري الذي أطاحه بينوشيه عام 1973، عندما مات أليندي أثناء انقلاب بينوشيه، تلاشت كذلك اهتمامات السيدة غونزاليز بالسياسة. لكن في السنة الماضية، قررت هي وصديقة لها الذهاب إلى قاعة سانتياغو، حيث كان المندوبون يدونون الدستور الجديد، ووقفتا في الخارج ترفعان لافتات لتأكيد تأييدهما. وكانت السيدة غونزاليز تسافر مرتين في الأسبوع طوال أشهر متتابعة بالحافلة ومترو الأنفاق، 75 دقيقة في كل اتجاه. وقد واصلت حملتها من أجل الوثيقة النهائية حتى بعد أن أطلق رجل رذاذ الفلفل عليها من سيارته قبل أسابيع قليلة، أثناء ما كانت توزع كتيبات في ضاحية سانتياغو بولاية «لا فلوريدا». وقالت، إنها تخشى استجابة الجناح اليميني بأعمال عنف، كما حدث مع أليندي قبل 50 عاماً. لكنها أضافت بأنها أكثر اقتناعاً بالحاجة إلى التغيير.
وقالت «لن أعيش لأرى التغييرات، لكن أولادي وأحفادي سيتمكنون من ذلك».
فاقت معدلات النمو الاقتصادي التشيلي في العقود الأخيرة مثيلاتها في معظم الدول المجاورة في أميركا اللاتينية. لكن من بين 38 دولة ديمقراطية تُشكل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تنفق تشيلي أقل حصة من ناتجها المحلي الإجمالي على الخدمات العامة.
أنشأت سنتياغو أكثر أنظمة مترو الأنفاق إبهاراً في أميركا الجنوبية، وطبقاً لمقاييس أخرى أيضاً فقد شهد سكان تشيلي تحسينات واسعة النطاق فيما يتصل بنوعية حياتهم. لكن بالنسبة للعديد من التشيليين الذين يتمسكون بقبضة هشة من الاستقرار الاقتصادي، ولا توجد شبكة أمان تحت أقدامهم، فإن ثروة وامتيازات نخبة البلاد تثير الدهشة. (نشر المحتجون مقطع فيديو لرئيس شركة الغاز التشيلية ماتياس بيريز كروز، وهو يحاول إبعاد المستمتعين بحمامات الشمس عن رقعة من الأراضي العامة، تجاور ظلال منزله الخاص المطل على البحيرة).
لدى كاميلا فالينزويلا وظيفة ثابتة في إدارة الخدمات اللوجيستية بشركة تصنع المُحليات الصناعية، لكن عندما شُخّصت حالة عمها الصحية بسرطان الدم العام الماضي، اضطرت الأسرة إلى اقتراض المال لتغطية تكاليف الرعاية. ثم تُوفي عمها في فبراير (شباط) الماضي تاركاً ديوناً طبية بمبلغ 20 مليون بيزو تُكافح الأسرة بصعوبة بالغة لسدادها عن طريق بطاقات اليانصيب وألعاب البنغو لجمع الأموال اللازمة. تقول السيدة فالينزويلا إنها تعتزم التصويت لصالح الدستور الجديد «حتى لا يضطر أحد إلى خسارة أفراد أسرته أو أحبائه؛ لأنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف الذهاب إلى المستشفى».
مثل هذه القصص شائعة للغاية في تشيلي، إلى الحد الذي يجعل قراءة نص الدستور الحالي أمراً صادماً. وفي حين صياغة الدستور الحالي في عهد ديكتاتورية اشتهرت بتبني اقتصاد السوق الحرة، فإنها تعترف بقائمة طويلة للغاية من الالتزامات الحكومية.
في تحليل أجري عام 2011، خلص أستاذا القانون ديفيد لو وميلا فيرستيغ، إلى أن الدساتير الوطنية تخرج في نسختين أساسيتين. أما الوثائق البسيطة، الأكثر شيوعاً في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية والتي تطبق تقاليد القانون العام، فإنها تركز على حدود سلطة الدولة. والدساتير الموسعة، الأكثر شيوعاً في بقية بلدان العالم، التي تتضمن قوائم طويلة بالحقوق المضمونة. وفي كل مجموعة، تتشابه الوثائق الفعلية بشكل متزايد. إن ما يُقدم بوصفه إقرارات للهوية الوطنية والطموح هو في الحقيقة إقرارات لمبادئ عالمية ترتدي ملابس محلية.
هناك أسباب عملية لذلك: البلدان تنسخ ما يصلح لها، وتتنافس لاجتذاب الاستثمار والعمالة الماهرة، وتواجه ضغوطاً لمواكبة المعايير الدولية، وتعمل الأنظمة القانونية المتوافقة على تيسير التجارة. والواقع أن البلدان تقدم وعوداً مماثلة حتى عندما لا تعني الوفاء بهذه الوعود حقا. إذ يضمن دستور كوريا الشمالية حرية التعبير!
8:20 دقيقه
TT
تشيلي ودستور بينوتشيه!
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
