كوجو كورام
TT

ليز تراس والتأثر بالإمبراطورية البريطانية

«هل نواجه هذه اللحظة بأمانة؟ أم أننا نقول لأنفسنا حكايات خرافية مطمئنة؟»، هكذا سأل وزير المالية البريطاني السابق ريشي سوناك، الذي كان أحد المرشحين اللذين تنافسا لحل محل رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون.
والحقيقية هي أن الجواب عن هذا السؤال هو أننا حقاً نكتفي بالحكايات الخرافية، أو على الأقل أعضاء حزب المحافظين، فقد انتخب أعضاء الحزب، يوم الاثنين، وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس زعيمةً جديدة لهم ورئيسة للحكومة.
وفي حملة تبدو مبنية على الإيمان بالقوة الخارقة للتخفيضات الضريبية، قدمت تراس نفسها على أنها المنقذ الاقتصادي للبلد الذي يتجه إلى شتاء مليء بالأزمات، ولكن بالنظر إلى معدل التضخم المرتفع والمعاناة الاقتصادية واسعة النطاق، فإن اقتراحات تراس تبدو خيالية.
ولكن الحكايات الخرافية لا تأتي من العدم، فبالنظر إلى تبنيها شديد الحماس للخصخصة وإلغاء الضوابط وخفض الضرائب، فإن الكثيرين ينظرون إلى تراس على أنها ستكون النسخة الجديدة من رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر.
صحيح أن هناك بعض التشابهات بين تراس وثاتشر، لكن الحقيقة هي أن هناك شخصاً آخر يمكن تشبيهه بشكل أكبر برئيسة الوزراء الجديدة، وهو إينوك باول الذي ترك حزب المحافظين بعد موجة من الجدل، بحلول الوقت الذي جاءت فيه ثاتشر لقيادته.
وقد اشتهر باول إلى حد كبير بانتقاده العنصري للهجرة، كما أنه لطالما ادعى بأنه أكثر السياسيين البريطانيين نفوذاً في فترة ما بعد الحرب، ويرجع ذلك إلى قيامه، في مرحلة إنهاء الاستعمار، برسم طريق لبريطانيا للحفاظ على هيمنتها العالمية.
ويبدو أن قائمة السياسات التي تبناها باول، والتي تم تشكيلها في ظل تراجع الإمبراطورية البريطانية، وتضمنت السياسات المتشددة المناهضة للمهاجرين، وتقليص دور الدولة، وتقويض العمل المنظم وتعزيز التمويل، هي أساس سياسة تراس اليوم. صحيح أن الإمبراطورية البريطانية قد انتهت قبل 60 عاماً تقريباً، ولكن يبدو أن رئيسة الوزراء الجديدة للبلاد لا تزال متأثرة بإرث هذه الإمبراطورية.
وفي الوقت الذي تبدو فيه تراس سعيدة بتشبيهها بثاتشر، إذ تتفاخر بأن كلاً منهما قام بأشياء عظيمة في الثمانينات، فإنها من المحتمل أن تكون أكثر حذراً من الاحتفاء العلني بالشبه الموجود بينها وبين باول، وذلك لأن اسمه قد بات بمثابة مرادفاً للعنصرية وكراهية الأجانب، ويرجع ذلك إلى الخطاب سيئ السمعة الذي ألقاه في عام 1968، والذي تحدث فيه في غرفة مليئة بأعضاء حزب المحافظين، وحذر فيه من أن الهجرة من المستعمرات ستؤدي إلى حرب عرقية، ما سيؤدي إلى أن تصبح أنهار بريطانيا مليئة بالدماء، وباستخدام لغة انتقامية استعمارية غريبة، تحدث باول بخوف عن كيف أنه «في غضون 15 أو 20 عاماً، سيكون للرجل الأسود اليد العليا على الرجل الأبيض».
وقد أدى هذا الخطاب إلى تشويه سُمعة باول إلى الأبد باعتباره أشهر سياسي بريطاني يبدو متمسكاً بوطنه، ولكن عنصريته سيئة السمعة طغت على كونه أول سياسي نيوليبرالي بريطاني على حد تعبير الأكاديمي روبي شيليام، كما كان باول أول صوت محافظ بارز يكسر إجماع ما بعد الحرب حول الديمقراطية الاجتماعية، ويدعو إلى تخفيض الضرائب والخصخصة وحرية حركة الأموال.
وقد كان الدليل على ذلك واضحاً للغاية، فبعد أشهر فقط من إلقاء خطابه الذي استخدم فيه تعبير «أنهار الدم»، تحدث باول في اجتماع لمنظمة «مونت بيليرين» المؤثرة بشكل كبير، وهي منظمة دولية تابعة لفريدريش هايك، التي كانت تنشر فكرة السوق الحرة، حول أهمية تحرير رأس المال من سيطرة الدولة، كما تعاون مع مؤسسة فكرية للسوق الحرة، وهي معهد الشؤون الاقتصادية، وتولى دعمها، وذلك في وقت كان يُنظر فيه إلى أعضائها على أنهم أشخاص هامشيون غريبو الأطوار، وقاد بأول حملة، من خلال كتابة المقالات والإدلاء بالخطب، لتحويل بريطانيا إلى النظام الاقتصادي المالي، الذي أصبحت عليه في العقود اللاحقة من القرن العشرين. وقد كانت الإمبراطورية البريطانية تقف خلف سياسة باول، أو بشكل أكثر دقة، نهاية هذه الإمبراطورية.
وبحلول منتصف الستينات، كانت الإمبراطورية البريطانية، التي كانت في يوم من الأيام مالكة لربع العالم، على وشك الانتهاء، ومع حصول المستعمرات البريطانية السابقة على الاستقلال، واجهت المملكة المتحدة تضاؤل هيمنتها العالمية، وبالنسبة للسياسيين مثل باول، الذين نشأوا على القوة البريطانية، كانت المخاطر ذات أهمية قصوى، فكيف يمكن لبريطانيا أن تحتفظ بمزاياها الإمبراطورية، في حال لم تتمكن من الاحتفاظ بالإمبراطورية نفسها؟ وقد كان الجواب الذي توصل إليه باول بسيطاً؛ وهو وضع حدود لشعب هذه الإمبراطورية، ولكن ليس لثرواتها.
ويبدو أن تراس هي وريثة هذا النهج في التفكير، فقد اتخذت موقفاً متشدداً فيما يتعلق بالهجرة، وتعهدت بزيادة القوات على الحدود بنسبة 20 في المائة، ودعمت خطة الحكومة لإرسال طالبي اللجوء إلى رواندا.
وبالنسبة للمسرح العالمي، فهي تبدو متفائلة بشكل ملحوظ، سواء من خلال التهديد بالتراجع عن اتفاق بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي بشأن بروتوكول آيرلندا الشمالية، أو التعهد بانتقاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وجهه، ولكن تفكيرها المرتبط بالإمبراطورية البريطانية السابقة هو الشيء الأكثر لفتاً للانتباه في نهجها تجاه الاقتصاد.
ففي عام 2012، أعلنت تراس عن نفسها على الساحة السياسية كمؤلفة مشاركة لكتاب بعنوان «بريطانيا غير مقيدة»، الذي جادل بأن مكانة بريطانيا المتناقصة عالمياً، كانت نتيجة لدولة الرفاهية الممتدة التي رفعت أجيالاً من العمال المبتدئين الذين تم وصفهم في الكتاب باعتبارهم «أسوأ عاطلين عن العمل في العالم».
تراس تحاول تصوير نفسها بأن موقفها يبدو كما هو بعد مرور عقد من الزمان على كتابة هذا الكتاب، إذ قالت في تسجيل تم تسريبه مؤخراً، إن العمال البريطانيين يفتقرون إلى «المهارة والتطبيق» من نظرائهم الأجانب، ويحتاجون إلى العمل بجدية أكبر، وإنه على النقيض من ذلك، فإنه يجب على الدولة أن تفعل أقل من ذلك، مضيفة أن أي جهد لمساعدة البريطانيين الذين يواجهون فواتير عالية للطاقة بشكل مدمر يرقى إلى مستوى «الصدقات»، وهو أمر غير مرغوب فيه للغاية حتى لو اضطرت، تحت الضغط، إلى اللجوء إليها.
والحل الوحيد لجميع المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد هو التخفيضات الضريبية، التي من المرجح أن تفيد في الغالب الأثرياء والشركات الكبيرة، والموانئ الحرة ومناطق الاستثمار الخاصة، حيث يمكن لرأس المال الدولي التمتع بحرية التحرك، كما يجب تقليص دور الدولة، وتقييد الأجور، وتقليص الروتين الحكومي، وتحرير السوق، وهذه السياسات تبدو مشابهة تماماً لأفكار باول.
والمشكلة هي أنه من غير المحتمل أن تنجح أي من هذه الحلول، حيث لم تنجح الدورة الاقتصادية التي أطلقتها ثاتشر، كما أنه لطالما أثبتت التخفيضات الضريبية أنها تزيد من عدم المساواة مع التأثير بشكل ضئيل على النمو أو البطالة، ومع ذلك، فإن الحل الأفضل لمشاكل البلاد يبدو أسهل من ذلك، وهو يتمثل في وضع حد أقصى لسعر فواتير الطاقة، وزيادة الضرائب على الأرباح، واستثمار الدولة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد.
ولكن بدلاً من ذلك، فإنه في ظل وجود تراس، فإن العقلية المحطمة التي تتبع الإمبراطورية السابقة هي التي ستقود، ولكن البريطانيين هم مَن سيدفعون الثمن كل يوم.