زين العابدين الركابي
كاتب سعوديّ
TT

ماذا يجري بين إيران والغرب على الرغم من الظاهر الخادع؟

أوباما وروحاني: هل سيلتقيان في نيويورك في مناخ الانعقاد الدوري للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) الحالي؟

سواء تم اللقاء أو لم يتم، فهذه مجرد «دبلوماسية شكلية ظاهرية» لا تنقض «التغير» الذي طرأ على العلاقات الإيرانية الأميركية في الشهور والأسابيع الأخيرة. ومن حق القارئ أن يطالب بتقديم «قرائن» تدل على هذا التغير.. ومن واجب الكاتب تقديم هذه القرائن.. وها نحن نفعل ذلك:

1) جرى تبادل رسائل بين روحاني وأوباما باعتراف مسؤولين في البلدين.. وقال روحاني عن أهم هذه الرسائل التي وصلت إليه من أوباما: «لقد كانت الرسالة إيجابية وبناءة».. وبعيد أن يكون هذا الوصف متعلقا بما قاله أوباما عن عراقة إيران في الشعر والفن التشكيلي في السجاد وغيرهما. بل الغالب أن يكون المقصود بالإيجابية والبناءة نوعا من الاستراتيجية التي تهم البلدين، لا سيما في العلاقات الثنائية، اليوم وغدا.

2) وجه كل من خامنئي وروحاني رسالة متماثلة المضمون إلى الحرس الثوري الإيراني، قالا فيها: «على الحرس الثوري أن يكف عن التدخل في السياسة».. فأي سياسة إيرانية يتوجب على الحرس الثوري أن يمتنع عن الخوض فيها؟!.. لعل المعلومة التالية تعرفنا ما هو المطلوب من الحرس الثوري الإيراني في هذا المجال.. والمعلومة هي: أن الحرس الثوري كان يعارض – بشدة - قيام أي نوع من العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية. ولا ريب أن هذا الموقف قد أصاب السياسة الخارجية الإيرانية مع أميركا بارتباك وتعثر مؤثرين على مدى عقود ثلاثة.. وربما يزعم الحرس الثوري وهو يسلك هذا السلوك أنه هو الوريث الوفي لسياسة الخميني في هذا المجال، وهي السياسة التي عدت أميركا شيطانا أكبر، وعدوا رقم 1.. ولسنا ندري ما نوع الجدل الفقهي الذي سينشب بين الطرفين في هذا الشأن، بيد أن أعلى سلطتين في إيران، وهما سلطة المرشد وسلطة رئيس الجمهورية، قد أمرتا الحرس الثوري بالكف عن عرقلة تحسين العلاقة بين إيران وأميركا.. وبديهي أن لهذا الأمر فاعليته القوية في الحراك الدبلوماسي الإيراني تجاه أميركا.

3) كانت العلاقات الأميركية الإيرانية حاضرة في زيارة سلطان عمان، وجيفري فيلتمان، إلى طهران منذ قريب.. صحيح أن فيلتمان زار طهران تحت لافتة أممية حيث إنه الآن مساعد للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، لكن صفته الأثبت والأدوم هي أنه دبلوماسي أميركي مخضرم وعليم بتفاصيل ملف الشرق الأوسط، بمقتضى خبرته الميدانية في هذه المنطقة لسنوات عديدة.

4) وحقيقة الأمر أن إيران تستعمل أسلوبا جديدا في التعامل مع الغرب كله، لا مع أميركا وحدها، بدليل:

أ) أن خامنئي قال - أمام الحرس الثوري أيضا: «علينا اجتراح أسلوب جديد ومرن في التعامل مع الغرب».

ب) قال روحاني - بلغة تطمئن الغرب كله تقريبا - إن إيران لن تنتج أسلحة دمار شامل بما في ذلك السلاح النووي.

بماذا نخرج من استعراض هذه الوقائع والقرائن الدالة على حدوث «تغير» في العلاقة بين أميركا وإيران؟

نستنتج من ذلك: التحرر من السذاجة والغرق في «الظاهرية السياسية»، أي الظاهرية التي تقتنع بما يدور فوق السطح، ولا تنفذ إلى أعماق الأمور.

ولئن كان موضوع مقال الأسبوع الماضي قد ركز على هذه القضية، قضية الانخداع بما يجري على السطح من تصريحات وطرح إعلامي سياسي، فإن هذا المقال يعد توكيدا وإشباعا وتنويعا لمقال الأسبوع الماضي.

يضم إلى ذلك مفهوم آخر، اقتضاه السياق الآن، وهو أنه من «الجمود المعطل» لكل نجاح سياسي إغماض العينين عن «المتغيرات السياسية» أو الاستراتيجية، سواء نتج هذا السلوك عن الجهل المطبق، أو عن «الاستيعاب الناقص» للأحداث والمواقف، أو عن القراءة الخاطئة للمعلومات والوقائع.

ومما ينبغي التفطن التام له - ها هنا - أن العرب لم يتوبوا من خطيئة الانخداع بـ«الظاهر السياسي».

منذ سنوات قريبة كان المشهد العام الظاهري في المنطقة هو أن إيران والغرب عدوان دائما وبإطلاق، أو هكذا صور الإعلام السياسي الجهول الحالة يومئذ.. وبناء على هذا المشهد الظاهري دقت طبول الحرب ضد إيران.. ومن مدّعي «بعد النظر السياسي» من حدد شهرها ((!!))

وقع هذا في حين كان الغرب يصوغ وثيقة استراتيجية مهمة ويقدمها لإيران. وهذه هي أهم بنود الوثيقة الغربية: «تقدمت الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا والاتحاد الأوروبي بمنظومة من (الحوافز) التي قد (تلين) موقف إيران في ما يتعلق ببرنامجها النووي». وقصة الحوافز ليست جديدة، وإنما الجديد فيها هو ما يمكن تسميته - حقيقة لا مجازا - بـ«المكاسب الاستراتيجية الدولية التاريخية لإيران».. تؤكد هذه الوثيقة أن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا والاتحاد الأوروبي تبدي استعدادها للاعتراف بحق إيران في تطوير أبحاث وإنتاج واستخدام الطاقة النووية لغايات سلمية.. وتقدم هذه الدول ثمانية مجالات ممكنة للتعاون مع إيران.. ومن أبرز هذه المجالات تقديم المساعدة المالية والتقنية اللازمة للاستخدام السلمي للطاقة النووية.. والمساعدة على بناء مفاعلات تعمل بالماء الخفيف تعتمد التكنولوجيا المتطورة.. ودعم إيران في المجال السياسي للقيام بدور فاعل ومهم في الشؤون الدولية.. ودعم مؤتمر حول القضايا الأمنية والإقليمية تشارك فيه إيران.. والتعاون مع إيران بشأن أفغانستان، خصوصا في ميدان حماية الحدود المشتركة بين إيران وأفغانستان ودعم إعمار أفغانستان ومكافحة المخدرات.. وتعزيز الثقة المتبادلة بين إيران ودول مجلس الأمن زائد ألمانيا.. وتشجيع الحوار والاتصالات بإيران بما في ذلك الحوار المباشر مع الولايات المتحدة الأميركية.

أين العرب؟!

«وتحسبهم أيقاظا وهم رقود».