كيف أحيت أوكرانيا عيد الاستقلال زمن الحرب؟

كيف أحيت أوكرانيا عيد الاستقلال زمن الحرب؟

الاثنين - 1 صفر 1444 هـ - 29 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15980]

في 24 أغسطس (آب)، احتفلت أوكرانيا بالذكرى السنوية الحادية والثلاثين لاستقلالها، وهي تقاوم اجتياحاً من قبل الدولة التي استقلت عنها (وإن كانت تحت اسم وشكل مختلفين آنذاك).
في يوم الاستقلال هذا، قصفت روسيا محطة القطار في مدينة تشابلين في وسط أوكرانيا بالصواريخ، ما تسبب في مقتل ما لا يقل عن 25 أوكرانياً وإصابة كثيرين آخرين.
بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، كانت هناك فترة تمهيد لمرحلة جديدة. تضمنت هذه الحقبة أيضاً تصفية الحسابات القديمة في جميع أنحاء أراضي الاتحاد السوفياتي السابق، ومن بينها كانت القوقاز، التي كانت البركان الأكثر نشاطاً. وكانت دول البلطيق وأوكرانيا وآسيا الوسطى تمثل حالات فريدة من نوعها، وعاجلاً أم آجلاً كانت كلها ستواجه الأزمات.
العوامل التاريخية والاستراتيجية، بالإضافة إلى وجود ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم، ووجود أسطول البحر الأسود لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، كلها جعلت أوكرانيا ذات أهمية خاصة.
في عام 1994، وقع الاتحاد الروسي وأوكرانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية «مذكرة بشأن الضمانات الأمنية، فيما يتعلق بانضمام أوكرانيا إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية».
وبموجب هذا الاتفاق، تم نقل الترسانة النووية في أوكرانيا إلى روسيا، وانضمت أوكرانيا إلى معاهدة حظر الانتشار النووي كدولة غير نووية. في المقابل، التزم الموقعون باحترام استقلال وسيادة أوكرانيا وحدودها الحالية.
ورغم وجود عدد من الأعذار، مثل التهديد وخرق الوعود فيما يتعلق بتوسع حلف شمال الأطلسي (ناتو) شرقاً، فبعد 20 عاماً من توقيع الاتفاقية، احتلت الدولة الضامنة وهي روسيا، جزءاً من الدولة المضمونة أي أوكرانيا. وبعد ثماني سنوات أخرى انتقل الضامن إلى مرحلة توسيع نطاق احتلاله.
في زمن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، كانت شبه جزيرة القرم داخل حدود روسيا حتى عام 1954، عندما تم تبني قرار أثناء رئاسة نيكيتا خروتشوف لنقلها إلى أوكرانيا.
وبعد سنوات، في عام 2014، احتلت روسيا شبه جزيرة القرم، استناداً إلى «اختيار الغالبية العظمى من سكانها في استفتاء»، ثم قامت بضم شبه الجزيرة إلى روسيا.
وساد شبه استنتاج بأن القرم أصبحت روسية إلى الأبد. وفي حين أن غالبية المجتمع الدولي رفض ضم روسيا القرم، لم يؤثر ذلك على الرئيس بوتين. فقد اعتبر ردود الفعل على أنها مجرد «رد فعل لكن لا ينطوي على تصرف». حتى إنه ربط شبه الجزيرة بالبر الرئيسي لروسيا في عام 2018 بجسر طوله 19 كيلومتراً تكلف حوالي 3.5 مليار دولار.
بصورة مختلفة عن عام 2014، بدت أوكرانيا بمظهر المقاوم، والغرب يدعمها بطريقة ربما لم يتوقعها بوتين. ويشير الزعيم الأوكراني إلى تصميم الأوكرانيين على استعادة جميع الأراضي المحتلة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم. وتتزايد الهجمات على أهداف في شبه الجزيرة. وقد أسفر الهجوم على قاعدة «ساكي» الجوية الروسية عن سقوط العديد من القتلى وإلحاق أضرار جسيمة، بما في ذلك تدمير مقاتلات، وهدد الرئيس الأوكراني بضرب جسر «كيرتش».
تقود الولايات المتحدة الحملة لدعم أوكرانيا بالمعدات العسكرية. وقدمت إدارة بايدن 10.6 مليار دولار من المساعدات العسكرية لأوكرانيا منذ بداية العام. وقبل يومين، أعلن الرئيس بايدن عن حزمة مساعدات جديدة بقيمة 2.9 مليار دولار، تشمل أنظمة دفاع جوي وصواريخ وطائرات بدون طيار. وأعلن المستشار الألماني أن بلاده ستسلم حزمة أسلحة أخرى لأوكرانيا تبلغ قيمتها أكثر من 500 مليون يورو. وتعتبر المملكة المتحدة وهولندا وفرنسا وبولندا من بين الدول التي شاركت في المجهود الحربي الأوكراني.
ويبدو أن معدل إمداد أوكرانيا أكبر من معدل استبدال الأسلحة والذخيرة المستعملة والمفقودة على الجانب الروسي. هذا، بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من الجنود الروس الذين فقدوا في الحرب، وجميع هذه الأمور يجب أن تكون قضايا مزعجة لروسيا.
الصدمة الأخيرة كانت مقتل داريا دوغين، ابنة صاحب الاتجاه القومي المتطرف ألكسندر دوغين، الذي أيد بالكامل سياسة بوتين في أوكرانيا. الصادم في الأمر أن شخصاً ما كان قادراً على تنفيذ هذه العملية في وسط موسكو التي تتمتع بالأمن.
على الجانب الآخر من الحرب، تتخذ روسيا إجراءات لمواجهة العقوبات الغربية والرد بكل ما لديها، مثل تقليص شحنات الغاز إلى أوروبا بحجة متطلبات الصيانة، كما أن التصريحات التهديدية من المسؤولين الروس من شأنها أن تلزم المستفيدين الأوروبيين باتخاذ تدابير لتقليل الآثار السلبية. على سبيل المثال، تقوم ألمانيا حالياً بتنفيذ تدابير لتوفير الطاقة استعداداً لفصل الشتاء.
قد يكون الاتحاد الأوروبي متفقاً على رفض غزو روسيا لدولة مستقلة والحاجة إلى الرد. لكن يبدو أن الدول الأعضاء لديها وجهات نظر مختلفة حول الإجراءات التي يجب اتخاذها، وإلى أي مدى يمكن أن تتجاوز الخط.
على سبيل المثال، توصلت فنلندا وإستونيا إلى فكرة التوقف عن إصدار التأشيرات السياحية للروس. في الواقع، لقد بدأوا بالفعل في تنفيذ ذلك، ويسعون الآن لاتخاذ إجراءات مشتركة من جانب الاتحاد الأوروبي، لكن لم تبد جميع دول الاتحاد الأوروبي موافقتها. ومن المتوقع أن يناقش الاتحاد الأوروبي هذه القضية في غضون أيام قليلة.
كما تحاول الأمم المتحدة أن تكون نشطة، حيث إنها تساعد نحو 6.5 مليون أوكراني ممن اضطروا إلى الفرار من بلادهم. ثم هناك أيضاً قضية أزمة الغذاء، وكذلك خطر حدوث كارثة نووية.
استولت روسيا على محطة الطاقة النووية «زاباروجيا» التي تعد الأكبر في أوروبا. والآن، تحت الدرع الواقي للموقع النووي، تستخدم روسيا المحطة كقاعدة ومستودع ذخيرة. وهناك خوف من حدوث كارثة تشيرنوبيل ثانية. وقد اتصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بفلاديمير بوتين، وحاول الحصول على موافقته على زيارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لفحص المحطة. وكانت هذه القضية أيضاً على جدول الأعمال خلال زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى «لفيف»، حيث التقى بالرئيسين رجب طيب إردوغان وبولودمير زيلينسكي. ورغم كل الاهتمام، لم تتحقق زيارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى الآن.
الشيء الوحيد الذي يبدو أنه صحيح هو الاتفاقية الدولية الموقعة في إسطنبول في يوليو (تموز) للسماح بتصدير الحبوب من أوكرانيا. وفي طريق عودته من «لفيف»، زار الأمين العام للأمم المتحدة مركز التنسيق المشترك في إسطنبول الذي يشرف على تنفيذ الاتفاقية. ويعمل في المركز 71 فرداً، من بينهم 14 من تركيا و22 من روسيا و12 من أوكرانيا. وفي 20 أغسطس (آب)، صرح وزير الدفاع التركي أنه منذ اليوم الأول من أغسطس، تم تشغيل 51 سفينة من وإلى موانئ أوكرانيا، تحمل 656.349 طناً من الحبوب الأوكرانية.
الأمل هو أن تؤدي الصفقات الأخرى في مجالات أخرى في النهاية إلى شيء آخر غير الحرب.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو