دور العدل في إشاعة الفقر والظلم

دور العدل في إشاعة الفقر والظلم

الاثنين - 11 محرم 1444 هـ - 08 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15959]

نهض الراكب في المترو المزدحم لينزل إلى محطته، لكن قبل أن يُخلي مقعده تماماً أشار إلى فتاة لكي ترثه من بعده.
في نقاش منفصل على السوشيال ميديا، قال «رجل القانون» رأيه. مفاده أن مالكي البنايات القديمة جمعوا من المستأجرين ما يوازي ثمن عقاراتهم حين بنوها، وبالتالي فحقهم وصل إليهم.
كان النقاش حول «قانون الإيجارات القديم» في مصر، وهو قانون موجود باختلافات طفيفة في عدة دول، يضع سقفاً للقيمة الإيجارية للوحدات السكنية المستأجرة ويثبّتها عبر عقود. كما يسمح بتوارث الانتفاع بها من مستأجر إلى أبنائه. بسبب هذا القانون قد تجد شقة في حي راقٍ لا تزيد قيمة إيجارها الشهري على عشرة جنيهات (نحو 55 سنتاً)، أقل من ربع ثمن علبة سجائر. ولا تزيد على خمسة في المائة من فاتورة الكهرباء الشهرية التي تحصّلها الدولة عن الشقة نفسها. قانونٌ نزع من الورثة ثروة آبائهم، ووزّعها على أبناء المستأجرين.
يبدو أنه لا رابط بين الحدثين. لا، بل الرابط قوي. وسأشرح وجهة نظري.
بالنسبة لرجل المترو، لا مشكلة في سلوكه هذا لو أنه بمجرد أن رأى الفتاة في الزحام أشار إليها بأن تجلس في مقعده بينما تحمل هو عناء الوقوف بدلاً منها. المشكلة أنه جلس وتسلطن على مقعده طوال المسافة، تاركاً إياها في الزحام، ثم تذكّر أن يمنحها مقعده حين لم يعد يحتاج إليه. حين انتهى «حق انتفاعه» به، بموجب التذكرة التي دفع ثمنها. في الحقيقة أعطاها مقعد شخص آخر غيره.
أما مقولة رجل القانون، وهو بالتحديد قاضٍ، فتشبه تماماً أن تقول إن سائق التاكسي جمع، بعد ثلاث سنوات من العمل، قيمة ما دفعه في شراء السيارة. وإن التاكسي الآن صار حقاً للركاب. وبالتالي لا ينبغي أبداً رفع قيمة عداد التاكسي عمّا كانت عليه حين اشترى السيارة.
مقولة تغفل تماماً أبسط معاني كلمة استثمار. أن تضخ أموالك في مشروع ما لكي يدرّ عليك ربحاً متواصلاً. بقيمة تناسب اختلاف القيمة الشرائية حسب معدلات التضخم. يصح هذا على من يمتلك عمارة، أو من يمتلك فاترينة ساندوتشات كبدة.
لكن الكارثة الكبرى أنها -وهي صادرة عن رجل قانون- تقوّض معنى العدل. لماذا؟ لأنها تجعل العدل انتقائياً استنسابياً. هنا، ما لا يمكن لعاقل أن يسميه عدلاً إن طبّق على مالك سيارة تاكسي، أو فاترينة كبدة، صار -حسب هذا المنطق- عدلاً لو طُبق على مالك عمارة.
والمشكلة الأعمق نكتشفها حين نفكر في الكيفية التي مرّر بها هذا المنطق المعوج. إنها ببساطة «إثارة الحقد». لمجرد أن كلمة مالك عمارة توحي بالثراء، يمكن إذن استحلال أي إجراء ينزع عنه ميزته، وتسمية الإجراء «حقاً». من اللافت أن الفارق في اللغة بين كلمتي «حق» و«حقد» حرف واحد.
الحقد ليس مبرراً لاعتبار الظلم عدلاً، مهما كان ثراء الطرف الذي يطبَّق عليه القانون. فما بالك وأصحاب العقارات غالباً من صغار الملاك، فضّلوا أن يتركوا لورثتهم ثرواتهم في قيم عينية. وهذا تفكير جيد للفرد والمجتمع.
معاقبة هؤلاء الناس لأنهم فكروا تفكيراً اقتصادياً سليماً، ونافعاً للاقتصاد أيضاً، تخوِّف غيرهم من مصيرهم إن لم يتغدوا بالمستهلك قبل أن يتعشى هو والساسة بهم. ومن هنا تنفجر سلوكيات سيئة. أبسطها الإحجام عن الاستثمار. وأكثرها شيوعاً الاسترخاص فيه. وبناء عمارات بأقل رأس مال ممكن، وأقل صيانة ممكنة. قارن في مصر بين العمارات القديمة والحديثة وسترى ذلك بعينيك.
الفارق الوحيد بين المستأجر وبين المنتفع بكرسي المترو، أن الأخير يورّثه لشخص غريب وقع عليه اختياره. أما المنتفع بالشقة فيورثها إلى أبنائه. أما منطقهما، وثقافتهما، فواحد. الاعتقاد بأن ما استأجره المرء صار من حقه. بمعنى أدق أن المالك -في الحقيقة- ليس صاحب حق. هل هذا الفعل البسيط له أثر أكبر؟ نعم.
هذا يغذّي شعور الاستحقاق. بمعنى أن الخلط بين ما هو مستأجر وما هو مملوك يؤدي إلى خلط بين ما هو من حقك وما ليس من حقك. حيث المستأجر، والموظف، والإنسان العادي، ينظر إلى صاحب الملك كأنه معتدٍ على «حقه»، سالبٌ له. كأن ما في يده بضاعتهم، ولم تُردّ إليهم بعد. ولن يتحقق العدل إلا بالاستيلاء عليها وردّها إليهم. أي لن يتحقق العدل إلا بالظلم.
في تلك الأثناء، وحتى يتحقق هذا الظلم-العدل، لا يوفونه الشكر اللازم، ولا الثناء المستحق، ولا الاعتراف بالفضل الذي يشجعه لكي يفعل المزيد. لا يشجعون الاستثمار. أكرر: لا يشجعون الاستثمار.
ترى ذلك في الأفلام وفي شخصيات المسلسلات، وفي مقالات الصحافة. وأخيراً تراه في القانون وفي قرارات السياسة. تصعد الثقافة تدريجياً حتى تعبّر عن نفسها في كل المستويات. من أول تأميم الممتلكات إن كان المستثمر أجنبياً، وصولاً إلى تأميمها من الناحية العملية، مع تسمية السياسة اسماً آخر، لو كان من أهل البلد. كما حدث مع ملاك العقارات القديمة.
الرخاء ثقافة. السماحة مكون ضخم فيها لأنَّها عتبة الانفتاح، عتبة جذب الاستثمار، عتبة جذب السياحة. سجادة أمام الباب تقول للآخرين أهلاً وسهلاً. والسماحة الحقيقية لا تنبع من حقد يسمي نفسه حقاً، ولا من ظلم متسامٍ بنفسه مختال بعدالته وعدولته.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو