ممدوح المهيني
إعلامي وكاتب سعودي. مدير قناتي «العربية» و«الحدث» كتب في العديد من الصحف السعودية المحلية منها جريدة الرياض، ومجلة «المجلة» الصادرة في لندن. كما عمل مراسلاً لـ«الشرق الأوسط» في واشنطن. وهو خريج جامعة جورج ميسون بالولايات المتحدة.
TT

نافذة من داخل «ذا لاين»

حمل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الميكروفون، وهو محاطٌ بعدد كبير من كبار المستثمرين والصحافيين والوزراء والمسؤولين، وقال وهو يجيب عن أسئلتهم إنَّ أي ساكن في هذه المدينة سيطلُّ من نافذة بيته وسيرى الطبيعة الجميلة على امتداد بصره. إطلالة لا يملكها إلا الأثرياء، ولكن في هذه المدينة بإمكان كل ساكنيها أن يتمتعوا كأنَّهم يمتلكون هذه الرؤية الساحرة، ويؤكد: «هذا غير موجود في أي مكان آخر في العالم».
كان ولي العهد السعودي يتحدث بالتفصيل والأرقام عن المدينة المستقبلية «ذا لاين» في منطقة نيوم شمال غربي السعودية، المدينة المختلفة تماماً عن كل ما نعرفه. وعندما سُئل: لماذا تقوم ببناء هكذا مدينة لم تُعرف سابقاً، ولم يشهد مثلها التاريخ البشري؟ أجاب بأن هذه المدينة ستغيِّر نظرة العالم إلى المدن في المستقبل، وبأنَّه لا فائدة من تقليد مدن أخرى موجودة في العالم!
وبالفعل يحتاج المرءُ إلى مزيج من التصور الخلاق والخيال غير التقليدي لفهم طبيعة هذه المدينة، التي تُكسّر بالكامل قالبَ المدن الأفقية التي نعرفها، حيث تعتمد على فكرة «البناء إلى الأعلى». «ذا لاين» مدينة حديثة برَّاقة وسط طبيعة نقية لم تمسسها يدُ البشر.
مدينة لامعة عمودية بارتفاع 500 متر وعرض 200 متر، وتمتد على مسافة 170 كيلومتراً، ولكن يمكن قطعها في 20 دقيقة فقط عبر قطار يخترقها من البداية للنهاية، وبإمكان ساكنيها قضاء احتياجاتهم اليومية في غضون خمس دقائق. يقول ولي العهد السعودي في نقاشه المفتوح، إنَّهم يتحدثون مع كبرى الشركات وألمع العقول لبناء وسائل النقل داخل «ذا لاين» بأفضل جودة وأفضل أسعار.
وماذا عن السيارات؟ هل بالإمكان لساكني هذه المدينة المستقبلية أن يستخدموا سياراتهم؟ فمن سمات هذه المدينة أنَّها بلا طرقات ولا سيارات. يجيب ولي العهد السعودي بأنَّ بإمكانهم ذلك للمتعة فقط، ولكن خارج المدينة حيث بمقدورهم أن يستخدموا سياراتهم للذهاب إلى مدن أخرى مجاورة أو للصحراء أو العقبة التي سيُعلن مستقبلاً عن مشاريع كبيرة تخصُّها.
مدينة «ذا لاين» ستكون محايدة كربونياً، وخالية تماماً من التلوث على عكس المدن الأفقية المختنقة والملوثة، ولكنَّها محاطة بمدن ومشاريع أخرى ليست فقط داخل السعودية، ولكن خارجها لا تضرُّ بطبيعتها النظيفة. سيتمُّ تغليف سورَي المدينة بمرايا عاكسة للصحراء والطبيعة التي تطوّقها من كل مكان، ولكن من جهة البحر ستكون هناك مارينا اليخوت المتناثرة، حيث ستصبح نقطة جذب عالمية، ومن الجهة الأخرى المطار الذي يربطها بشبكة واسعة بكبرى المدن في العالم من طوكيو حتى نيويورك.
هذا أيضاً ملمحٌ أساسي لطبيعة «ذا لاين» الديمغرافية، حيث ستصبح عالمية الهوية ومتصلة بالعالم. يؤكد ولي العهد أنَّ قاطنيها ليسوا من جنسية واحدة، ولكنها متنوعة ومتعددة المشارب. من المتوقع أن يصبح ساكنو المدينة 9 ملايين، وينسجم هذا مع الخطة الأوسع بزيادة عدد السكان بالسعودية من مواطنين ومقيمين من 50 إلى 60 مليوناً: 25 مليوناً من المواطنين و25 مليوناً من الأجانب.
ولكن بما أنَّ هذه المدينة ستكون مختلفة عن المدن الأخرى داخل السعودية وخارجها، فإنَّها بحاجة إلى تشريعات جديدة تمنحها الإطار القانوني الذي تعمل بداخله. يقول الأمير محمد بن سلمان في حديثه إنَّهم يعملون على هذه التشريعات، ومن المتوقع أن يتمَّ الانتهاءُ منها في الربع الأول من عام 2024.
داخل قبة «سوبر دوم جدة»، سار الحاضرون خلف المسؤولين في «نيوم» وسط المجسمات التي تشرح طبيعة المدينة المستقبلية. تتجوَّل داخل شكل البنايات العمودية المتطاولة والهياكل العمودية، حيث توجد أنواعٌ مختلفة من الوحدات السكنية منازل وشقق وكلها تحتفظ بذات الإطلالة الساحرة على الفضاء الشاسع. مدينة في قلب الطبيعة ولكن ليست معزولة، ولكنَّها تنبض بالحياة. يقول ولي العهد إنَّ داخلَها توجد كل الخدمات من أسواق وسينما وحدائق ووسائل ترفيه وملاعب رياضية واستاد كرة قدم.
طفنا وسط مجسمات المدينة المتلألئة. شرح مفصل وأنيق لمدينة الحالمين، كما يقول المسؤولون في «نيوم». ولكن على أرض الواقع بدأ العمل بالفعل، حيث بدأت عمليات الحفر ووضع حجر الأساس، حيث شاهدنا عروضاً لعمليات البناء المستمرة. وأصبحت المدينة مكان جذب للمدونين العاملين في تلك المدينة، حيث يقول أحدهم، وهو من ضمن العاملين على الأرض مرتدياً الخوذة: «لم أشهد شيئاً شبيهاً بهذا من قبل».
«ما أكبر التحديات التي ستواجهها لتحقيق هذا المشروع؟»... سأل أحد الصحافيين ولي العهد السعودي، الذي لم يتردد في الإجابة بأنَّه الدعم المالي، وشرح بالتفصيل كيف سيتم تمويل هذا المشروع مالياً حتى يتم إنجازه. وأضاف بتصميم: «ولكننا سنقوم بذلك بالتأكيد». وبأنَّه «لا توجد تحديات وعقبات لإنجاز ما نؤمن به».
تختصر الجملة الأخيرة الأعوام الستة الماضية في تاريخ السعودية التي مرَّت بتحولات كبيرة وجذرية على كل المستويات تقريباً؛ اقتصادياً واجتماعياً ودينياً وتشريعياً، خلقت واقعاً مختلفاً وجديداً داخل السعودية.
ورغم كل التحديات والصعوبات الجسيمة التي كان البعض يشكّك في تجاوزها، ولكنها الآن أصبحت من الماضي البعيد، لدرجة أنَّه لا أحد من الصحافيين أثارها في سؤال أو تعليق.