هل تنجح جهود فتح «ممرات للحبوب» من أوكرانيا؟

هل تنجح جهود فتح «ممرات للحبوب» من أوكرانيا؟

الأربعاء - 13 ذو الحجة 1443 هـ - 13 يوليو 2022 مـ رقم العدد [15933]

يدرك الجميع جيداً الآن أن روسيا وأوكرانيا تحتلان المرتبة الأولى بين المنتجين والمصدرين العالميين للقمح، والذرة، والشعير، وزيت عباد الشمس، بالإضافة إلى الحبوب الأخرى. وتعتبر روسيا أيضاً مزوداً أساسياً للأسمدة.
غير أن الاجتياح الروسي لأوكرانيا والحرب التي تلت ذلك أديا إلى تعطيل صادرات الدولتين. جاءت الاضطرابات من مجموعة من الظروف المادية والأمنية والإجراءات الروسية المتعمدة لمنع حركة الحبوب خارج أوكرانيا. ويقال، إن 20 - 22 مليون طن من الحبوب الأوكرانية يجري حفظها في صوامع، وبعضها على متن السفن في انتظار تصديرها.
وها قد دقت الأمم المتحدة ناقوس الخطر فيما يتعلق بالأمن الغذائي العالمي. وكما هو الحال دائماً، الفقراء هم الأكثر تضرراً، والبلدان الأفريقية تأتي في المقدمة. تعتمد العديد من البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك لبنان ومصر واليمن والأردن أيضاً، على أوكرانيا وروسيا لتوفير احتياجاتها من القمح وغيره من الحبوب. ويذكرنا ما يجري حالياً بالزيادات في أسعار القمح التي شهدها العالم في عام 2011 وما أعقب ذلك من ذكريات قاتمة في المنطقة.
تقليدياً، يمر نحو 90 في المائة من الحبوب الأوكرانية عبر المضيق التركي، وهو نظام فريد من الممرات المائية يضم إسطنبول، وبحر مرمرة، ومضيق كاناكالي. يربط هذا النظام البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط ويبلغ طوله 30 كيلومتراً (18 ميلاً).
حافظ هذا الممر الاستراتيجي على أهميته لقرون عدة، حيث كان سبباً رئيسياً لقيام العديد من الحروب التي شارك فيها الأتراك (الإمبراطورية العثمانية) والروس وغيرهم على مدار التاريخ.
اليوم، يخضع مرور السفن البحرية (السفن الحربية والتجارية) عبر المضيق لـ«اتفاقية مونترو» الموقعة عام 1936 بين تركيا وعدد من البلدان في ذلك الوقت، حيث تحدد الاتفاقية شروط المرور عبر المضائق. والمبدأ العام هو أن السفن التجارية تتمتع بحرية المرور تحت جميع الظروف، لكن مرور السفن الحربية يخضع للوائح وقيود.
لذلك؛ يمكن للسفن التجارية التي تحمل الحبوب أن تمر عبر المضيق دون عوائق. وبالفعل جرى السماح للسفن بمغادرة الميناء في أوكرانيا والإبحار بأمان في البحر الأسود.
لكل شيء صنعه الإنسان أو أداره لا بد له من بديل وكذلك شحنات الحبوب من أوكرانيا (الطريق البرية عبر بولندا، الموانئ الرومانية). لكن المشكلات الفنية مثل عدم تطابق مسارات السكك الحديدية وقدرات الموانئ تجعل الأمور صعبة. ومن أجل التحول إلى البدائل، هناك حاجة إلى إعادة التنظيم، وهذا بدوره يتطلب الوقت والمال.
وفي إطار جهودها لمنع الأزمة الحالية من التحول إلى ما هو أسوأ بكثير، تحاول الأمم المتحدة التوصل إلى خطة لإنشاء ممرات آمنة في البحر الأسود لتصدير الحبوب.
الفكرة العامة هي التحميل من الموانئ الأوكرانية، ونقلها دون عوائق في البحر الأسود عبر طرق بحرية تسمى الممرات، في طريقها إلى وجهاتها النهائية (الشرق الأوسط وأفريقيا ومناطق أخرى). والمسار نفسه يجب إنشاؤه لرحلة العودة.
كما لعبت تركيا، التي حافظت على مستوى عالٍ من العلاقات مع روسيا وأوكرانيا، دوراً في هذه الجهود.
يجري الاتصال بزعماء ومسؤولي أوكرانيا وروسيا وتركيا والأمم المتحدة، وقد التقى وزيرا خارجية تركيا وروسيا على هامش قمة مجموعة العشرين في بالي، وتحدث الرئيس رجب طيب إردوغان عبر الهاتف مع بوتين وزيلينسكي في 11 يوليو (تموز) وناقشا قضية الممرات الآمنة.
وبعد يوم واحد، أعلنت السلطات التركية والروسية أن المسؤولين الأوكرانيين والروس والأتراك سوف يجتمعون في إسطنبول (13 يوليو) لمناقشة ممرات الحبوب. وسيحضر مسؤولو الأمم المتحدة الاجتماع.
على أي حال، تكمن الصعوبة الرئيسية في أن الجانبين المتحاربين يضمران العداء لبعضهما بعضاً جراء عدم الثقة. وليس من السهل جعلهما يوافقان على مجموعة من التدابير (بما في ذلك الأمن والضمانات والضامنون واللوائح وعمليات التفتيش) التي تنطوي جميعها على حساسيات شديدة.
على سبيل المثال، كانت إحدى القضايا الصعبة في المفاوضات هي ما يتعين فعله تجاه الألغام البحرية. فقد زرع الأوكرانيون ألغاماً في مياههم الأرضية ضد محاولات روسيا للاجتياح من البحر وطالبت روسيا بإزالة هذه الألغام؛ حتى تتمكن السفن التي تحمل الحبوب من الإبحار من موانئها والسفر بأمان. لكن الأوكرانيين يعتبرون هذا الطلب خدعة، حيث يستخدم الروس مبادرة ممر الحبوب للتخلص من هذه الألغام حتى يتمكنوا من شن عمليات برمائية.
من ناحية أخرى، يعمل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أيضاً في هذا الشأن. أتخيل (أو بالأحرى آمل) أن تكون كل الجهود متكاملة، وأن هناك تعاوناً وتنسيقاً بين المعنيين.
منذ الهجوم الروسي، تقول الأخبار، إن روسيا تستحوذ على الحبوب الأوكرانية وتشحنها من الموانئ التي تسيطر عليها. لكن روسيا رفضت هذه الأنباء ووصفتها بأنها دعاية. في الواقع، تعتبر روسيا كل ما احتلته وكل ما يتعلق بها ملكاً لها، بما في ذلك مخزون الحبوب. ومن الواضح تماماً أن روسيا تنقل الحبوب من أوكرانيا بطريقة منظمة للغاية.
في الآونة الأخيرة، قامت أوكرانيا بخطوة دبلوماسية في أنقرة طالبت فيها تركيا بالاستيلاء على السفينة الروسية «زبيغ زولي» زعمت أنها كانت تحمل حبوباً أوكرانية مسروقة. جرى إيقاف السفينة ورست خارج مدينة «كاراسو» التركية المطلة على البحر الأسود. وبعد بضعة أيام من التحقيق (وبالتأكيد اتصالات مكثفة بين المسؤولين الأتراك والروس والأوكرانيين)، تم الإفراج عن السفينة في 7 يوليو لتعود من حيث أتت.
وعبّرت أوكرانيا عن خيبة أملها من قرار الحكومة التركية، واستدعاء السفير التركي في كييف إلى وزارة الخارجية.
تتمثل السياسة الرئيسية لتركيا في عدم السماح بدخول شحنات الحبوب على أراضيها من الأراضي الأوكرانية المحتلة بما في ذلك شبه جزيرة القرم. وتتعاون تركيا مع أوكرانيا بشأن طلباتها، لكن العديد من الصعوبات التقنية والقضائية تجعل الأمور أكثر تعقيداً وصعوبة. من ناحية أخرى، تحرص تركيا على تطبيق هذا المبدأ دون الدخول في صراع مباشر مع روسيا لكي لا تقوض موقفها كطرف قادر على التحدث إلى الجانبين ولكي تواصل جهودها للمساهمة في إيجاد حلول للمشكلة.
بسبب موقعها الجغرافي فيما يتعلق بروسيا وأوكرانيا وقربها من منطقة الحرب، ناهيك عن العديد من الحساسيات في العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، فإن تركيا تبدو في وضع يتعين عليها فيه السير على حبل مشدود.
هذا بالإضافة إلى الممارسة المعتادة في روسيا، حيث تستخدم روسيا أدواتها وقد تسيء استخدامها، متى وأينما كان ذلك ممكناً. وفي هذه الحالة تحديداً، تستخدم روسيا الغذاء والطاقة كإجراء مضاد للعقوبات الأميركية والأوروبية.
في الواقع، تطبق روسيا نفس طريقة اللعب في سوريا أيضا، حيث استخدمت حق النقض ضد تمديد قرار مجلس الأمن الدولي بشأن استمرار المساعدات الإنسانية عبر الحدود من تركيا إلى شمال سوريا. وبعد مفاوضات صعبة (وبعد الأخذ والعطاء) قبلت روسيا التمديد لمدة ستة أشهر. (سنرى ما إذا كانت قضية ممرات الحبوب في البحر الأسود جزء من الصفقة).
ختاماً، لا يزال العالم يعاني من عواقب تصرفات روسيا لتحقيق طموحاتها (في الجوار القريب بما في ذلك أوكرانيا) في منطقة تعتبرها ملكاً لها، وفي منافسة «إثبات الأعظم» بين القوى العالمية.
* خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو