حرب أوكرانيا وانقسام الغرب

حرب أوكرانيا وانقسام الغرب

الأحد - 5 ذو القعدة 1443 هـ - 05 يونيو 2022 مـ رقم العدد [15895]

مضتْ ثلاثةُ أشهر ولم تنتهِ الحربُ بعد في أوكرانيا. الحروبُ، في العادة، تنتهي بتمكن طرف أو أطراف من إلحاق هزيمة نهائية بخصومهم. أحياناً، ولحفظ ماء الوجه، تتدخل أطراف أخرى سياسياً، وتنجح في إقناع الأطراف المتحاربة بوقف الأعمال الحربية، واللجوء إلى التفاوض لحل الإشكالات المسببة للحرب.
بعد مرور 100 يوم على المعارك الحربية، تغيّرت أمورٌ كثيرة على المستويين الحربي والسياسي. على المستوى الأول، رغم ما تبديه القوات الأوكرانية من مقاومة، تواصل القوات الروسية تقدمها، وربما تتمكن قريباً من احتلال إقليم دونباس وضمه إلى روسيا. على المستوى السياسي، فقد المعسكر الغربي المؤيد لأوكرانيا وحدته، التي أبداها في بداية الحرب، وبدأت تظهر على السطح اختلافات في الاستراتيجيات، تبعاً لاختلاف المصالح ووجهات النظر.
في «مؤتمر دافوس» مؤخراً، تحدث وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر حول ضرورة اللجوء إلى التفاوض، وقبول حكومة كييف بالتنازل نهائياً على جزء من أراضيها إلى روسيا وطالب حكومة كييف بالتحلي بالحكمة، موضحاً أن الحياد هو الدور المناسب لها.. هذه الدعوة قوبلت بسرعة بموافقة ودعم من جانب رئيس وزراء إيطاليا الأسبق سيلفيو برلسكوني. هذا التوافق، وفي هذا الوقت، لا علاقة له بالعفوية.
مؤشرات كثيرة تأتي متتالية من واشنطن وعواصم أوروبية أخرى، تشير إلى أن المعسكر الموحد في موقفه من دعم أوكرانيا أضحى، مؤخراً، فريقين؛ الأول يؤكد الالتزام بدعم حكومة كييف حتى تتمكن من دحر الروس مهما كلف الأمر، وعدم وضع أي ضغوط على حكومتها تتعلق بمواصلة الحرب أو اللجوء إلى التفاوض. هذا الفريق تقوده واشنطن، ويضم كندا وبريطانيا وبولندا وليتوانيا. الفريق الثاني يرى أنه لا جدوى من استمرار الحرب، والتأكيد على وضع الضغوط للعودة بالطرفين المتحاربين إلى طاولات التفاوض. الهدف من ذلك، كما يؤكد معلقون سياسيون، هو حفظ ماء وجه الرئيس بوتين.
هذا الفريق يضم فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمجر وقبرص. هناك أيضاً الموقف المجري الرافض لفرض حظر على استيراد النفط من روسيا، إضافة إلى موقف رئيس الحكومة برفض مرور الأسلحة عبر أراضي بلاده إلى أوكرانيا. الطائرات الروسية المقاتلة، التي وُعدت كييف بالحصول عليها، لم تصل بعد. ومُنعت الحكومة السويسرية من إرسال شحنات قنابل مدفعية إلى كييف. ومنعت إسرائيل الحكومة الأوكرانية من شراء صواريخ سبايك خشية من رد فعل روسي في سوريا. وتأخرت ألمانيا عمداً في إرسال ما وعدت به في شهر مارس (آذار) الماضي من أسلحة إلى بولندا، مقابل قيام بولندا بإرسال ما لديها من أسلحة روسية إلى كييف. وفي استبيان للرأي العام في اليونان، أكد 62 في المائة من المشاركين فيه رفضهم قيام حكومتهم بإرسال أسلحة إلى أوكرانيا!!
استمرار الحرب يعني تواصل القتل والدمار والتشرد واليُتم والثُّكل وأيضاً النهب. خلال الأسبوع الماضي اطلعتُ على تقرير إعلامي بريطاني، يتحدث عن أعمال نهب في الأراضي الأوكرانية على مستوى لافت للانتباه. النهبُ والحربُ يسيران يداً بيد. فأينما وجدت حربٌ ازدهر النهب. التقرير يقول إن القوات الروسية قامت بنقل جرارات وآلات حصاد زراعية من منطقة مليتبول وشحنها إلى الشيشان على بعد 700 ميل. لكن الأوكرانيين تمكنوا إلكترونياً من تعطيل تلك الآلات، عن بُعد. ولكن هذا لا يعني أن الروس لن يفلحوا في تشغيلها من جديد بعد وقت. وتبيّن أن الشركة المصنّعة لتلك الآلات الزراعية، تفادياً للسرقة، قامت بتزويدها إلكترونياً، بجهاز التحكم عن بُعد، بما يمكّن أصحابها من تعطيلها، ويحرم الآخرين من الاستفادة منها. التقنية المستخدمة تلك ظهرت أولاً في صناعة السيارات، وتعرف باسم (VIN) وهي اختصار لمصطلح (Vehicle Identification Number) وترجمتها (رقم تعريف السيارة).
يقول التقرير إن الفكرة من وراء الاختراع هي منع ورش تصليح السيارات من استخدام قطع غيار بديلة مكان القطع الأصلية. التقنية المستحدثة استعيرت في غيرها من الصناعات، ومنها صناعة الجرارات وآلات الحصاد، بل وتجاوزتها إلى الصناعات العسكرية والطبية. وبالطبع، فإن التقنية الجديدة، مثل غيرها، سلاحٌ ذو حدين. وعلى سبيل المثال، ماذا سيحدث لو تمكن «هاكرز» في روسيا من تعطيل المعدات الطبية في مستشفيات أوكرانيا أو العكس؟ والشيءُ نفسه يقال عن الأجهزة الحربية عالية التقنية. وتخيّل ماذا سيحدث لك أيها القارئ لو أن هاتفك الجوال وسيارتك وجهاز حاسوبك، وكل جهاز إلكتروني في حوزتك، واقع تحت السيطرة البعيدة من قبل الشركات المصنّعة، وبإمكانها إقفالها جميعاً، وعزلك عن العالم من حولك؟ وعلى نفس المنوال، ماذا سيحدث لمحطات تزويد المياه والكهرباء والمصانع؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو