أزمة طاقة كاملة

أزمة طاقة كاملة

الأحد - 6 شوال 1443 هـ - 08 مايو 2022 مـ رقم العدد [15867]
هيلين طومسون
- أستاذة الاقتصاد السياسي بجامعة كامبريدج
- خدمة «نيويورك تايمز»

الأميركيون قلقون بشأن ارتفاع أسعار الغاز، والألمان يرفضون التدفئة، بينما تشهد بيرو احتجاجات وقمعاً عنيفاً بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وشبكة الطاقة الوطنية في نيجيريا انهارت مؤخراً.
ويبدو أن هذه الأزمة المستمرة والمتأججة حول الطاقة وتكلفتها والسياسة المحيطة بها، لن تنتهي قريباً.
صعّد فلاديمير بوتين من حدة الأزمة، بعد أن أدى اجتياحه لأوكرانيا إلى ارتفاع الأسعار، وأجبر أوروبا -أكبر مستورد للغاز الطبيعي الروسي- على بدء محاولة لإنهاء اعتمادها الطويل الأمد على الغاز الروسي. لكن بوتين لم يتسبب في هذه الأزمة وحده، فعلى مدار عام تقريباً قبل هذا، كان العرض بالكاد يغطي الطلب، مما تسبب في ارتفاع الأسعار.
وفي الوقت نفسه، نما طلب الصين على واردات الغاز بنسبة 20 في المائة خلال عام 2021، مما ساعد على دفع أسعار الغاز الأوروبية نحو 6 أضعاف بين مارس (آذار) وديسمبر (كانون الأول).
ومن خلال ضخ مليون برميل من النفط يومياً من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي بين مايو (أيار) ونوفمبر (تشرين الثاني)، سيضخ بايدن أكبر كمية على الإطلاق من الإمدادات الأميركية الطارئة في السوق منذ بداية إنشاء المخزون في عام 1975. وسيوفر ذلك في أحسن الأحوال راحة مؤقتة. ومع بدء الدول الآسيوية في التكيف مع عالم تبتعد فيه السفن التي تحمل الغاز الطبيعي المسال عن المحيط الهادئ وتعيد توجيهها إلى أوروبا، فقد أخذ طلبها على الفحم في الارتفاع.
كل هذا يعني ارتفاع أسعار الطاقة على الجميع في كل مكان، ما لم ترجع الاقتصادات إلى فترات الركود التي عانت منها أثناء الوباء، وهو خيار لا يأمل فيه أحد.
تبدو أوجه الشبه مع فترة السبعينات واضحة. فالصدمة النفطية في أعقاب حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، كانت مزعجة للغاية اقتصادياً وجيوسياسياً. أعقب تلك الصدمة الأولى في 1978-1979 ثورة في إيران وغزو العراق لإيران، ما دفع البلدين المنتجين للنفط إلى حرب طويلة.
بعد ذلك، انهارت حقبة جيوسياسية مع الولايات المتحدة كأكبر منتج للنفط في العالم، وبريطانيا (عندما سمحت لها واشنطن بالتصرف)، الضامن لمصالح الطاقة الغربية في الشرق الأوسط. مع سيطرة الدول العربية على الإنتاج والأسعار من الشركات الأنغلو أميركية السبع الكبرى التي سيطرت على النفط في الشرق الأوسط لعقود من الزمن، عانى الاقتصاد الغربي من الركود تحت ضغط التضخم والاحتجاجات العنيفة والإضرابات، وإعادة الاصطفاف الانتخابي في الديمقراطيات الغربية.
القادم يبدو أكثر اضطراباً -وتحولاً في نهاية المطاف– مقارنة بأحداث السبعينات. في الواقع، هذا سيكون الاضطراب الأكبر. فخلال الاضطرابات الجيوسياسية في السبعينات، لم يكن الإمداد المادي للنفط من احتياطيات العالم هو المشكلة على الإطلاق. الآن مع ارتفاع الطلب الآسيوي على الطاقة بنسبة أعلى بكثير مما كانت عليه، يمكن القول بأن هذه هي المشكلة. وقد يتجاوز الطلب على الغاز والفحم أيضاً الإنتاج العالمي خلال السنوات القليلة المقبلة.
على سبيل المثال، انظر إلى البحر الأبيض المتوسط؛ حيث سيؤدي انفصال أوروبا عن روسيا إلى تكثيف التوترات الجيوسياسية بشأن الغاز في البحر. في شرق البحر الأبيض المتوسط، تستاء تركيا من استبعادها من مشاريع الطاقة، ويزداد صراعها في تأكيد مصالحها. فعندما أبرمت تركيا اتفاقاً مع ليبيا في نوفمبر 2019 للمطالبة بحدود اقتصادية بحرية جديدة لنفسها في شرق البحر المتوسط، شجب قادة الاتحاد الأوروبي الاتفاقية باعتبارها انتهاكاً للسيادة اليونانية والقبرصية، ولأنها لا تتوافق مع قانون الأمم المتحدة. الآن يتسبب مسار خط أنابيب لنقل غاز شرق البحر المتوسط إلى أوروبا في توترات، ليس فقط بين تركيا وجيرانها فحسب؛ بل داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) أيضاً.
على الجانب الآخر من البحر المتوسط، تعد الجزائر مصدراً محتملاً آخر للطاقة لأوروبا. لكن هذا أيضاً يأتي مع تعقيدات جيوسياسية؛ حيث أعلنت شركة الطاقة الجزائرية المملوكة للدولة «سوناطراك» الشهر الماضي، أنَّها قد ترفع أسعار الغاز إلى إسبانيا، بعد أن سحبت مدريد دعمها للجزائر في منتصف مارس، بسبب الخلاف الطويل بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية.
لكن تراجع الدور الروسي أيضاً يعني مزيداً من المشكلات. فمن دون مساعدة روسية يصبح إبرام اتفاق نووي إيراني آخر أقل احتمالية، حتى مع تضخيم حرب موسكو لجميع حوافز بايدن لعودة صادرات إيران من الطاقة. وبدلاً من الانفصال عن روسيا، يبدو أن منتجي النفط العرب قد ضاعفوا الرهان على تحالف «أوبك بلَس»، تكتل النفط الاحتكاري العالمي الجديد.
لا يجري تشكيل السياسة الدولية فقط من خلال استدامة استهلاك الطاقة الحالي. فالسياسة الداخلية تتزعزع أيضاً.
فمن خلال إدانة شركات النفط التي لا تكثف الإنتاج، قرر بايدن منح امتياز للناخبين اليائسين من أجل خفض الأسعار الفورية على الديمقراطيين الذين يصرون على أن أزمة المناخ يجب أن تظل الأولوية. بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن حقيقة أن المستهلكين الأوروبيين يملأون خزائن حرب موسكو، قد دفعت بقضايا أخلاقية غير مستساغة للطفو على السطح.
الآن تغيرت حالة الزخم مرة أخرى. بالنسبة للانتقال إلى حماية البيئة، فإن الوعي العام المتجدد بأن توريد الهيدروكربون لا يسير على ما يرام، حتى عندما تتعهد الحكومات الغربية بالحد من الاستخدام، هو خطوة إلى الأمام، وإن كانت مفارقة.


- أستاذة الاقتصاد السياسي بجامعة كامبريدج
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو