اليوم ينتخب الفرنسيون رئيسهم لخمس سنوات مقبلة. وهم قد اختبروا طوال القرنين الماضيين تجارب ودروساً في الديمقراطية. لم يكن للنساء الحق في التصويت لكنهن حصلن عليه في ربيع 1944. حق لم يكن متاحاً، في البدايات، للعسكر ولا الكهنة. كان القانون الانتخابي في 1820 يسمح لكبار الأثرياء بالتصويت مرتين بهدف إرضاء الطبقة الأرستقراطية. أما نزلاء السجون فلم يسمح لهم بالإدلاء بأصواتهم، بشكل حقيقي، إلا في الانتخابات الماضية، عام 2017. قبل ذلك كان على السجين الحصول على إفراج مؤقت للذهاب إلى المركز الانتخابي، وهو أمر شبه مستحيل.
قبل أيام، عاش المحتجزون في سجن «لا سانتيه»، أكبر سجون باريس، تجربة استثنائية. نظمت إحدى جمعيات تشجيع القراءة، بالتعاون مع إدارة السجن، مسابقة في الفصاحة بين النزلاء. الموضوع: «في حال أصبحت رئيساً». كان على السجين أن يتقمص شخصية مرشح للرئاسة. وتطوع عدد من المحامين لكي يقدموا للمتسابقين النصائح اللازمة لكتابة أفكارهم وطريقة إلقائها. وتابع المشاركون تطورات الحملة الانتخابية وجولات المرشحين «الحقيقيين»، وراقبوا نشرات الأخبار في التلفزيون. وكانت هناك ثلاث ورشات لتدريبهم على التحدث أمام الجمهور والتعبير عن أفكارهم بوضوح واختصار.
في اليوم الموعود اجتمع عشرات النزلاء في قاعة التمارين الرياضة. جيء بمنصة ومكبر صوت. وتم وضع العلمين الفرنسي والأوروبي وراء المنبر. وكان على كل متسابق أن يعرض برنامجه في خمس دقائق. وتقدم للمسابقة تسعة سجناء. خلع كل منهم بدلة السجن وارتدى أفضل قميص لديه.
كان بين الحضور قانونيون وإعلاميون ولجنة تحكيم برئاسة الممثلة دلفين دو فيغان. ولفت النظر متسابق مغربي في الثامنة والأربعين يدعى الأمين، تحدث بصوت هادئ وافتتح خطابه بعبارة: «في حال أصبحت رئيساً...»... قال إن من الخطأ الزعم بأن جميع الأوضاع سيئة، وهو لا يملك تصحيحها كلها. لكنه سيحارب التمييز بين المواطنين. تفرقة تبدأ من الاسم ومنطقة السكن وتصل حتى الحرمان من الخدمات العلاجية. وكان الأمين واثقاً من نفسه بحيث إنه لم يقرأ من الورقة التي بين يديه. ورغم رجاحة خطابه لم يفز برئاسة فرنسا بل سجين أفريقي يدعى هارونة.
تضم فرنسا 188 مركزاً للاحتجاز. ومجموع السجناء يراوح حول 70 ألفاً. وهو رقم ينقص أحياناً أو يزيد. وفي الانتخابات الرئاسية السابقة سجل 13 ألف سجين أسماءهم في اللوائح. ويتم التصويت بالمراسلة. وتؤخذ المظاريف إلى وزارة العدل وتتولى لجنة خاصة فتحها وتسجيل محتواها. وتم اعتماد هذه الطريقة للمرة الأولى في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2019. لكن السجناء حُرموا من المشاركة في انتخابات البلديات، قبل سنتين، بسبب «صعوبات تنظيمية». وكان القانون الانتخابي يشترط على الناخب أن يكون مقيماً في عنوان محدد. ماذا عن مئات الآلاف من الفرنسيين المشردين الذين يبيتون في الشوارع والحدائق وتحت الجسور أو في سياراتهم؟ في 1998 أضيفت مادة تسمح بالتصويت لمن لا عنوان محدداً له، وفق إجراءات معينة.
هذا في باريس، أما في بغداد فقد دعاني المخرج سعدي يونس بحري، قبل دهر، لحضور أول عرض مسرحي يقدم في سجن أبي غريب. شربنا الشاي في مقهى يقع في الصالحية، قرب دار الإذاعة، ونقلتنا حافلة جميعاً، المخرج والممثلين والفنيين، إلى السجن. كان المحكومون يجلسون في باحة مكشوفة، صفوفاً صفوفاً، يتأهبون لرؤية مسرحية تتحدث عن فلسطين وبطولات الفدائيين. صفقوا وهتفوا بحماسة حتى ظهرت الممثلة الشابة سمر محمد على المسرح. سكت الجميع سكتة رجل واحد وبحلقوا في المخلوقة الجميلة وكأن على رؤوسهم الطير.
12:4 دقيقه
TT
أنا السجين انتخبوني
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
