عَلاقتي الشخصية بالفلسفة والمشتغلين بها، منذ أيام الدراسة، ينقصها، من جانبي، كثيرٌ من الود. وفي السنوات الأخيرة، برغبة كسر الجليد المتراكم عبر السنين، بدأت تدريجياً في مراجعة موقفي غير العقلاني منها. وسعيتُ راغباً إلى الاقتراب من عالمها، على أمل فتح ثغرة في جدار، والنفاذ عبرها لإيجاد موطئ قدم لي يمكنني من التواصل معها، وبدء علاقة من نوع ما، بعيداً عن توتري، تتيح لي فرصة بناء جسر صغير من الود يمكنني من العبور إليها، واستيعاب ما أمكنني من موضوعاتها. ولضمان نجاح محاولتي، اخترت أن أبدأ بالاطلاع على فلسفة الفيلسوف آرثر شوبنهاور. الاختيار، للأسف، لم يكن مبنياً على بحث وتقص، بل كان عشوائياً. وربما كان السبب مرتبطاً بإيقاع موسيقى الاسم في أذني، أو غرابته.
السيد شوبنهاور فيلسوف ألماني، من فلاسفة القرن الثامن عشر. ولد يوم 22 فبراير (شباط) عام 1788 في مدينة اسمها دانزج - Danzig. وهي مدينة ألمانية، تؤكد المصادر أنها تقع شمال غربي العاصمة البولندية وارسو على ساحل بحر البلطيق. ولدى البحث عن تاريخها تبين لي أن المدينة دخلت كتب التاريخ على اعتبار أنها كانت هدفاً لأولى القذائف التي أطلقت في الحرب العالمية الثانية.
القصف المدفعي الألماني على المدينة لم يكن ناجماً عن استراتيجية موقعها الجغرافي، بل لكونها إحدى المدن الألمانية التي اقتطعت من ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. كان هدف هتلر تعبئة المشاعر القومية الألمانية، وحشد الشعب الألماني خلفه، لاسترداد كل الأراضي التي انتزعت من ألمانيا وفقاً لاتفاقية فرساي المهينة التي وقعت فيها ألمانيا على هزيمتها في الحرب الأولى. ولعل ذلك يذكر، مع أخذ الفارق في الاعتبار، بالحرب الحالية التي يقودها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضد الجارة أوكرانيا. وللعلم فإن الرئيس بوتين لا يعترف بوجود أمة أوكرانية. لكن هذه السطور، في الحقيقة، تحاول قدر الإمكان النأي بنفسها عن الحرب، والتطرق قليلاً إلى فلسفة السيد شوبنهاور.
اللافت للاهتمام، أن سوءَ الحظ كان لي بالمرصاد. فقد تبين لي منذ البداية أنني اخترت الفيلسوف الخطأ. والسبب، أن السيد شوبنهاور، كما اتضح، كان رجلاً متشائماً جداً. وانعكس تشاؤمه على ما أنتجه وقدمه للعالم من فلسفة. وأن قارئاً في سني، بقدمين هرمين تتدلى إحداهما في القبر، وأخرى تقف مرتعشة على حافته، يكون التشاؤم آخر ما يحتاجه عموماً، أو أن يكون جسره المختار إلى التواصل مع الفلسفة.
تقول المصادر، التي أتيح لي الاطلاع عليها، إن شوبنهاور، حين كان طالباً، أخذ دروساً مكثفة في مادة علم الحشرات - Entomology. تلك الدراسة استفاد منها في بناء صروح فلسفته. واكتشف أن هناك نوعاً من الحشرات حين يقطع إلى اثنين، يبدأ النصفان المقطوعان في مهاجمة بعضهما. إذ يقوم الرأس المقطوع بِعَض الذيل المقطوع. فيرد الأخير بدوره بلسع الأول. وتستمر العملية إلى أن تنتهي بموتهما معاً، أو أن تأتي حشرات أخرى وتقضي عليهما، أو ما تبقى منهما.
شوبنهاور، من خلال ما تفعله تلك الحشرة بنفسها، وصل إلى قناعة بأن الإنسان عدو نفسه، وأنه من خلال صراعه مع غيره من بني جنسه يقضي على نفسه، وأننا جميعاً، استناداً إلى شوبنهاور، نقع داخل تلك الدائرة، وأن صراعنا سيؤدي بنا وبالحياة البشرية إلى الفناء. لكننا، وهذه الطامة الكبرى، لا ندرك ذلك، بل هي بمثابة الفطرة فينا، وأن العنف الإنساني سيقود إلى التدمير الذاتي، كما يلتهم نصفا الحشرة المقطوعان بعضهما البعض.
ورغم تعهدي أعلاه بتفادي الحديث عن الحرب، إلا أن ما قاله شوبنهاور يجعلني عاجزاً على الإيفاء به. وفي الأخير، التعهد يحمل صفة أخلاقية وليس قانونية، كما قال رئيس حكومة الوحدة الوطنية السيد عبد الحميد الدبيبة، في تبريره لعدم الإيفاء بتعهده في عدم الترشح للرئاسة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، لو تخيلنا أن السيد شوبنهاور ما زال على قيد الحياة، وشاهد مثلنا على شاشة التلفزيون فظاعات الحرب في تلك البلاد المسماة أوكرانيا، لابتسم ساخراً من عبط البشر، وسوء أفعالهم، وهم يجهدون أنفسهم للقضاء على الحياة البشرية من خلال صراعاتهم الدموية القاتلة.
هل ما قاله السيد شوبنهاور مبالغة من فيلسوف متشائم، أم أنه يقدم صورة حقيقية عن الواقع الإنساني الذي نعيشه، ليس في أوكرانيا، بل في بلادنا ليبيا؟
8:20 دقيقه
TT
حربُ أوكرانيا وشوبنهاور
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
