جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

الأزمة الأوكرانية: وداعاً للعالم القديم

إذا صَدقَ المثلُ الإنجليزي الذي يقول «في كل كارثة تتوفر فرصة»، فما يا تُرى نوع الفرصة التي من الممكن أن تنتج من كارثة ما يدور حالياً في أوكرانيا؟ أو، بشكل آخر، ما يا تُرى طبيعة الفرصة التي من المحتمل أن تنبثق من التهديد الروسي بوضع ترسانة السلاح النووي في حالة تأهب قصوى؟ إذا صدقَ المثل أعلاه، ولا أظن ذلك، فإن الفرصة الوحيدة الممكنة هي أن تنتهي هذه الحرب سريعاً، ليتمكن سكان العالم الموزعون في كافة القارات من تنفس الصعداء، والشعور بشيء من راحة افتقدوها طوال الفترة الماضية. لكن هذا التكهن، وما يحمل في ثناياه من تفاؤل أقرب منه إلى التمني، قد يكون بعيداً عما هو ممكن واقعياً، وفقاً للظروف المتوفرة. ومن الواقعي القول، إن وحدة دول العالم التي تجسدت في محاربة الوباء الفيروسي أضحت نسياً منسياً، وإننا رغم عظم الخسائر البشرية والاقتصادية التي سببها الوباء، والجدران العازلة التي شيدت في كل بلد، كان الجنس البشري، على الأقل، في تلك الحرب يقف متضامناً على جبهة واحدة مقابل عدو شرس، بهدف دحره. اختفاء ذلك العدو أدى إلى تفكك تلك الجبهة، وتلاشي تلك الوحدة، وتكاثر الجبهات والاصطفافات.
الحربُ التي تدور في أوكرانيا، ربما، بضربة حظ، تتوقف من خلال مفاوضات، وهو احتمال مشروع. إلا أن ذلك لا يعني أنها ستنتهي فعلياً، ويسدلُ عليها الستار. هناك إمكانية لأن تفضي إلى مواجهات مستقبلية من نوع مختلف، خصوصاً بعد شبكة العقوبات الاقتصادية الهائلة التي فرضها الغرب ضد روسيا ومؤسساتها المالية والمقاطعات التي تعرضت لها مؤسساتها الرياضية وغيرها.
الطريقُ الذي قاد موسكو وأوكرانيا ودول الغرب إلى خوض هذه الحرب، من المحتمل أنها ستقود موسكو من جهة، وواشنطن وبقية دول حلف الناتو من جهة أخرى، إلى ميادين مواجهات محتملة: ساخنة أو باردة، ربما تتضح علاماتها في القريب العاجل. لكن قواعد الالتحام (Rules of Engagement) ستتحدد، أولاً بأول، في غمار المعارك وليس قبلها، ووفقاً لطبيعة الحرب ومجرياتها. وسيكون الغرب من يصوغها ويفرضها.
الحربُ الأوكرانية هذه، كأنها تعود بالتاريخ إلى الوراء، إلى زمن القياصرة والإمبراطوريات. دولة كبرى تحرك جيوشها لابتلاع أراضي دولة صغيرة، من دون إبداء اعتبار لقوانين أو معاهدات. وتاريخياً، يمكن القول إن حروب أوروبا تختلف عن غيرها من الحروب في القارات الأخرى. فهي حين تبدأ لا تتوقف عادة إلا بظهور منتصر ومهزوم. قبل الأزمة الأوكرانية، كانت الحرب الأهلية في يوغوسلافيا. وفيها كان الخاسرون كثراً، ولا علم لي شخصياً بمنتصر. فمن يا تُرى سيكون الخاسر، أو الخاسرون في الأحداث الدائرة في أوكرانيا؟ وهل سيكون هناك منتصر أو منتصرون؟ السؤال سيظل مفتوحاً، في انتظار ما ستسفر عنه هذه الأحداث، وفي حالة ما لم يتم اللجوء إلى استخدام الترسانات النووية!!
الفرصة المأمولة المحتمل انبثاقها من هذه الكارثة قد تكون في عودة الوحدة إلى الاصطفاف الغربي عسكرياً وسياسياً، بقيادة واشنطن، وهو أمر لن يكون سهلاً بلعه على عديد من دول العالم الثالث، أو على دولة كبرى مثل الصين. وأن هذه الوحدة سوف تدفع يقيناً باتجاه ضخ المزيد من القوات والسلاح في شرق أوروبا، وإحكام الحصار على روسيا. والنتيجة أن السلم العالمي سيضحى بين يدي عفريت. والسبب، لأن الوضع الجديد سيؤدي ببكين إلى مراجعة حساباتها، وصياغة أجندة تتفق ومتطلبات التطورات والأحداث الجديدة، وبما يضمن حماية مصالحها ليس داخل أسوارها، بل في مختلف مناطق العالم وأسواقه، ويعزز من ضمان أمنها القومي. وهذا يعني أن الفرصة المحتملة من الكارثة، التي أكد عليها المثل السالف الذكر، ليس سوى جملة غير قابلة للصرف كما يقول النُحاة، أو لا محل لها من الإعراب. ويقيناً، أن العالم كما عرفناه سيختفي، ولا نعرف على وجه التحديد تفاصيل البديل.