خريطة نفوذ جديدة في الساحل الأفريقي

خريطة نفوذ جديدة في الساحل الأفريقي

الثلاثاء - 20 رجب 1443 هـ - 22 فبراير 2022 مـ رقم العدد [15792]

يمثل قرار الانسحاب العسكري الفرنسي الأوروبي الجماعي من مالي علامة فاصلة في علاقة فرنسا بمجموعة دول الساحل والصحراء من جهة، وفي مستقبل الجماعات الإرهابية الصاعدة في الإقليم من جهة أخرى. ورغم طريقة إخراج القرار باعتباره جماعياً مع 14 دولة أوروبية وليس فرنسياً وحسب، تظل الدلالات والانعكاسات الآنية والمستقبلية أكثر التصاقاً بفرنسا عن الدول الأوروبية الأخرى؛ لا سيما ألمانيا وبريطانيا. فهي البلد الأكثر ارتباطاً مع تلك الدول الأفريقية بحكم التاريخ الاستعماري، وطريقة الاستقلال المشروط الذي حصلت عليه تلك الدول وغيرها من المستعمرات الفرنسية السابقة عام 1960، وأعطى لفرنسا عديداً من الامتيازات الاقتصادية والنقدية؛ لا سيما الاستحواذ على 65 في المائة من الاحتياطي النقدي لتلك البلدان لدى البنك المركزي الفرنسي، وربط الفرنك الأفريقي (عملة تلك البلدان) باليورو الأوروبي، والتدخل في النظام التعليمي، وأتاح للشركات الفرنسية عديداً من الامتيازات؛ لا سيما العاملة في مجال النفط واليورانيوم والذهب والماس، الأمر الذي جعل استقلال تلك الدول استقلالاً منقوصاً، أثار الضغينة لدى الأجيال الجديدة الأكثر تأثراً بفشل سياسات التنمية، وغياب المشروعات التنموية والدعم الأوروبي الذي أقرته القمم الأوروبية الأفريقية، ولم يحدث في الواقع.
الانسحاب المقصود من مالي يتعلق بمهمتين عسكريتين صُممتا لمكافحة الإرهاب بشكل عام، ودعم الحكومات القائمة في كل من مالي وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا، بشكل خاص. الأولى تعود إلى عام 2013 وتعرف باسم «برخان»، وقادتها فرنسا لمدة سبع سنوات منفردة، والثانية تدعى «تاكوبا» بدأت عام 2020، وهي أقل حجماً، حين انضمت عدة دول أوروبية كمهمة مستقلة داعمة للمهمة الأولى.
ووفقاً للرئيس ماكرون، سيحدث انسحاب منظم من مالي، قد يستمر ما بين أربعة وستة أشهر، وسيتضمن تخفيضاً للقوات، ونقل الجزء المتبقي في حدود 2400 جندي إلى النيجر التي قد تصبح مقراً لعملية جديدة تتعلق بمكافحة جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، المرتبطة بـ«القاعدة»، وجماعة تنظيم «داعش» في الصحراء الكبرى، والمُعلن عنها 2016، والنشيطتين في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، على امتداد 100 كيلومتر، تستند بالدرجة الأولى على التنسيق بين الجيوش الوطنية لتلك الدول، مع دعم استخباري وعسكري أوروبي تقوده فرنسا، ما زال في طور التشكل.
بهذا الشكل، ثمة إعادة تموضع عسكري فرنسي أوروبي غير محدد الملامح، وخفض للقوات وليس انسحاباً كاملاً، مع ملاحظة أن الدور الأوروبي في أي عملية عسكرية جديدة ليس واضحاً تماماً؛ بل هناك ما يشبه التشكيك؛ لا سيما من ألمانيا وبريطانيا، بشأن استمرار الانخراط في عملية عسكرية معقدة، في منطقة تشهد العديد من المتغيرات والتحولات الكبرى.
وما حدث في مالي بعد الانقلاب العسكري بقيادة الكولونيل أسيمي غويتا، في أغسطس (آب) من العام الماضي تجاه الوجود العسكري الفرنسي، وطرد السفير، والمطالبة بإجلاء كامل للقوات الفرنسية من البلاد في مدى زمني قصير، يؤشر بدوره على مدى تضعضع التأثير الفرنسي في بلد، طالما اعتبر أنه أحد مراكز النفوذ القوي في إقليم الساحل والصحراء.
وتُعد خطوة الحكومة المالية بالتعاون مع شركة «فاغنر» الروسية للاستشارات الأمنية، لتدريب الجيش المالي لمواجهة الجماعات الإرهابية، وتأمين الشخصيات المهمة والمؤسسات الحكومية، بمثابة عملية إنهاء منهجي للدور العسكري الفرنسي في هذا البلد، وإفساح مجال أكبر للنفوذ الروسي، رغم ما تدعيه موسكو بأن «فاغنر» لا تتبع الحكومة.
وليس هناك ما يمنع من حدوث تحولات مماثلة في دول أخرى في الإقليم، بما في ذلك النيجر، المرشحة لتكون قاعدة التحرك العسكري الأوروبي في السنوات المقبلة.
الفرنسيون من جانبهم، ومعهم الألمان والبريطانيون، يرون في حكومة مالي الحالية، والتابعة لانقلاب أغسطس الماضي، وقرار مد الفترة الانتقالية لخمس سنوات، وفتح قنوات تواصل مع جماعات الإرهاب، تطبيقاً لقرارات مؤتمر المصالحة 2017، والتصريحات النارية لقادة مالي بشأن مسؤولية فرنسا عن تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد، ومحدودية العائد من عملية «برخان»، بمثابة تغيرات هيكلية غير مواتية لاستمرار التعاون العسكري؛ إذ كيف تستمر فرنسا -وفقاً لوزير الخارجية لودريان- في دعم حكومة انقلاب تتجه إلى التفاوض مع جماعات إرهابية تستهدفها فرنسا وحلفاؤها بالأساس.
وأياً كانت الصيغة العسكرية التي سوف تتوصل إليها فرنسا مع دول الساحل وخليج غينيا، فمجرد الإعلان عن الانسحاب الجماعي قد منح الجماعات الإرهابية النشطة سبباً أقوى لمواصلة عملياتها الهادفة لاقتلاع الحكومات، وصولاً إلى السلطة. ومن اليسير ملاحظة الأثر النفسي الذي أحدثه الانسحاب الأميركي من أفغانستان، والتسليم بانتصار «طالبان» وعودتها للحكم بعد عقدين من التدخل العسكري الأميركي والدولي، بكل تكاليفه المادية والمعنوية والإنسانية. وهو أثر يعطي أملاً؛ لا سيما لجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة للقاعدة، في أن تحقق انتصاراً مدوياً في إحدى دول الساحل؛ خصوصاً أن أعضاءها هم من مواطني تلك الدول، وليسوا أجانب كحال جماعة تنظيم «داعش». وتوفر المظالم الجماعية، وتردي الأحوال الاقتصادية، وضعف الحكومات المحلية، ومحدودية الدعم الأوروبي لخطط وبرامج التحول الاجتماعي، وسيطرة الفساد على أداء الحكومات المحلية، أسباب قوية لانتعاش عمليات التجنيد، وجذب أعضاء جدد للجماعتين.
ما سبق يؤشر لخريطة نفوذ جديدة قيد التشكل في تلك المنطقة الحساسة للقارة الأفريقية كلها، وللدول العربية الأكثر قرباً من دول الساحل، وفي المقدمة مصر والجزائر وليبيا والمغرب. ما يتطلب تحركاً عربياً خاصاً تجاه تلك المتغيرات البازغة التي لا تخلو من مخاطر وتهديدات. وفي الأسابيع القليلة الماضية، حدثت عدة مواجهات بين الجيش الجزائري وعناصر إرهابية في جنوب البلاد، تم اعتقال بعضهم؛ ما يدلل على أن عمليتي «برخان»، و«تاكوبا»، رغم القضاء على عدد من قيادات الجماعتين، فإنهما لم تقلصا خطر تلك الجماعات؛ بل قوّتا شوكتها؛ نظراً لاقتصار المواجهة على البعد الأمني، وتجاهلتا أبعاد المواجهة الأخرى الفكرية والسياسية والاجتماعية.
تشمل المعادلات الجديدة البازغة تمدداً في النفوذ الروسي، صحيح يتسم بالبطء والتدرج؛ لكنه يسعى إلى استغلال الإخفاقات الأوروبية والأميركية في أفريقيا وفي غيرها. والمثير أن المصادر الأميركية والأوروبية، رسمية وغير رسمية، تدرك تماماً أن إخفاقات سياساتها تجاه أفريقيا، والماضي الاستعماري الأوروبي للقارة، يشكلان فرصاً كبيرة للقوتين المنافستين الرئيسيتين، وهما الصين وروسيا اللتان بدورهما تستغلان تلك الإخفاقات ببراعة فائقة، وتكتسبان حضوراً ونفوذاً وتأثيراً ظاهراً وغير ظاهر، ومع ذلك تبدو التحركات الغربية تجاه أفريقيا تدور في السياق التاريخي ذاته، ولم تتعلم بعد كيف تعدل تلك السياسات الفاشلة ومحدودة القيمة، وتكتفي دائماً بالحديث عن العقوبات والعزل السياسي، دون التقدم بمبادرات تنموية حقيقية.
ما يحدث في الساحل والصحراء وخليج غينيا، انعكاس لعملية صعود وهبوط القوى الدولية والقوى الإقليمية، وما تتسم به من مقدمات لا يغفل عنها سوى شارد الذهن، وقصير النظر قليل الحيلة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو