وليام بيرنز أول دبلوماسي أميركي محترف يتولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية

أول دبلوماسي أميركي محترف يتولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية

حرب غزة تفرض خيارات معقدة على أميركا وتشكيك في نجاح جهود بيرنز في حل الصراع
حرب غزة تفرض خيارات معقدة على أميركا وتشكيك في نجاح جهود بيرنز في حل الصراع
TT

وليام بيرنز أول دبلوماسي أميركي محترف يتولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية

حرب غزة تفرض خيارات معقدة على أميركا وتشكيك في نجاح جهود بيرنز في حل الصراع
حرب غزة تفرض خيارات معقدة على أميركا وتشكيك في نجاح جهود بيرنز في حل الصراع

بينما تُراوح مؤشرات «بورصة» المفاوضات الجارية لوضع حدّ للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة - وعلى الفلسطينيين عموماً - صعوداً وهبوطاً بعد هجوم حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، برز الدور اللافت الذي يلعبه ويليام بيرنز، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «السي آي إيه» في تلك المفاوضات، وزياراته وجولاته المكوكية مع الأطراف المعنية في هذا الصراع، لكن على الرغم من أن المفاوضات إبّان «الحروب» الإسرائيلية الفلسطينية السابقة غالباً ما كانت تدار من قِبل قادة أجهزة الاستخبارات، فإن مشاركة بيرنز الحالية تُعد مختلفة عن مشاركات أسلافه الذين كانت وظيفتهم جمع المعلومات الاستخبارية بشكل منفصل عن السياسة والنفوذ السياسي، أما بيرنز فهو أول مسؤول في «السي آي إيه» جاء من أرفع المواقع الدبلوماسية الأميركية المحترفة، ذلك أن مسيرته شهدت خوضه أدواراً رئيسة في المفاوضات التي أُجريت بدايات القرن الحالي في إطار ما سمي «خريطة الطريق» لإنشاء «الدولة الفلسطينية المستقلة» عام 2002، خلال عهد الرئيس الأسبق جورج بوش «الابن».

يقول البعض في واشنطن إن الدبلوماسيين الأميركيين غالباً ما يتمتعون بخلفية استخباراتية «ضرورية»، بمعزل عن انتماءاتهم السياسية والحزبية، ويُجبرهم موقعهم الدبلوماسي على التزام «الحيادية» في تمثيل دولتهم.

لعل هذا الأمر أكثر ما ينطبق على ويليام بيرنز، الذي يحفل تاريخ خدمته الخارجية بتجربة واسعة النطاق، سواءً مع منطقة الشرق الأوسط أم مع روسيا. وعندما أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن، الذي تربطه به علاقة طويلة، يوم 11 يناير (كانون الثاني) 2021، أنه يعتزم ترشيحه لمنصب مدير «السي آي إيه» (وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية)، قال إن بيرنز يشاركه اعتقاده «بأن الاستخبارات يجب أن تكون غير سياسية، وأن محترفي الاستخبارات المتفانين الذين يخدمون أمتنا، يستحقون امتناننا واحترامنا».

وبالفعل، لقي ترشيح بيرنز الاستحسان في جلسة تأكيد تعيينه بمجلس الشيوخ، في 24 فبراير (شباط) 2021، بعد خضوعه للتدقيق في لجنة الاستخبارات، ليحصل على الموافقة بإجماع الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يوم 18 مارس (آذار)، وتأديته اليمين الدستورية مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية في اليوم التالي. وفي يوليو (تموز) 2023، رقّى بايدن بيرنز في إدارته، في إجراء رمزي إلى حد كبير.

والواقع أن مهارات الرجل، وقدراته الدبلوماسية، وآراءه السياسية، فضلاً عن التحولات التي طرأت عليها، لتتكيف مع مصالح بلاده الاستراتيجية، كانت حاضرة لتقييم أهليته لشَغل منصب رئاسة واحدة من أكبر أجهزة الاستخبارات في العالم. ثم إنه يُعدّ أحد أكثر الدبلوماسيين الأميركيين تفاعلاً وانخراطاً مع مختلف الإدارات الأميركية، الجمهورية والديمقراطية.

بطاقة شخصية

وُلد ويليام جوزيف بيرنز لعائلة عسكرية في قاعدة فورت ليبرتي «فورت براغ سابقاً» بولاية نورث كارولينا، عام 1956. أمه بيغي كاسادي، وأبوه الجنرال وليام فرنسيس بيرنز، الذي كان لواءً في الجيش الأميركي وشغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الحد من الأسلحة، ومكتب الشؤون السياسية والعسكرية، ومدير وكالة الحد من الأسلحة ونزع السلاح الأميركية عامي 1988 و1989، في إدارة الرئيس رونالد ريغان، بالإضافة إلى خدمته بصفته أول مبعوث أميركي خاص لمفاوضات نزع السلاح النووي مع دول الاتحاد السوفياتي السابق.

التحق ويليام بيرنز بمدرسة ترينيتي الثانوية في كامب هيل، بولاية بنسلفانيا، حيث كان طالباً متفوقاً، وتخرّج عام 1973، ثم درس التاريخ في جامعة لا سال (الكاثوليكية الخاصة)، وتخرّج فيها بشهادة البكالوريوس بمرتبة الشرف عام 1978، ومن ثم حصل على منحة مارشال للدراسات العليا في كلية سانت جون بجامعة أوكسفورد العريقة ببريطانيا، وهناك نال درجة الماجستير في الفلسفة، ودرجة علمية في العلاقات الدولية، ثم في عام 1985 حصل من أوكسفورد على دكتوراه في الفلسفة عن أطروحته بعنوان «المساعدات الاقتصادية والسياسة الأميركية تجاه مصر 1955 - 1981».

أما بالنسبة لحياته الأسرية فإنه التقى زوجته المستقبلية، الدبلوماسية السابقة ليزا كارتي، عام 1982، عندما كانا يجلسان بجوار بعضهما البعض، خلال تدريبهما على الخدمة في وزارة الخارجية. وتعمل زوجته الآن سفيرة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، ولديه ابنتان.

مسيرة الصعود من وزارة الخارجية

بيرنز الذي يتقن اللغات الروسية والعربية والفرنسية، دخل وزارة الخارجية في عام 1982، وتقاعد منها عام 2014، بعد مسيرة دبلوماسية استمرت 33 سنة، وبعدها أصبح رئيساً لـ«مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، وهي أقدم مؤسسة فكرية للشؤون الدولية في الولايات المتحدة، حتى استقالته منها عام 2021.

في عام 1994، أُدرج اسم ويليام بيرنز في قائمة مجلة «تايم» التي تضم «50 من القادة الأميركيين الواعدين تحت سن الأربعين»، وفي قائمتها التي تضم «100 من القادة العالميين الشباب». وفي عام 2013، أطلقت عليه مجلة «فورين بوليسي» لقب «دبلوماسي العام».

ثم حصل، عام 2014، على «جائزة رجل الدولة المتميز» من «رابطة مكافحة التشهير» المناصرة لإسرائيل، و«جائزة الإنجاز مدى الحياة» من «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن (2014)، و«جائزة أننبرغ للتميز الدبلوماسي» من الأكاديمية الأميركية للدبلوماسية (2015).

وبعدها، في عام 2008 رشحه الرئيس الأسبق جورج بوش «الابن»، وأكد الترشيح مجلس الشيوخ، بصفة «سفير محترف»؛ وهي رتبة تقديرية رفيعة وترقية نادرة في الخدمة الخارجية الأميركية.

ثم إنه كان ثاني دبلوماسي محترف في تاريخ الولايات المتحدة يصبح نائب وزير الخارجية، ذلك أنه قبل توليه منصب نائب وزير الخارجية، عمل بيرنز بين 2008 و2011 وكيلاً لوزير الخارجية للشؤون السياسية، وقبلها كان سفيراً لدى روسيا بين 2005 و2008، ومساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى بين 2001 و2005، ويومذاك خاض المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين على أثر اندلاع «الانتفاضات» في مناطق السلطة الفلسطينية، خلال رئاسة ياسر عرفات - التي كانت الإدارة الأميركية تتعامل معه في حينه - وحكم رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون.

أيضاً كان بيرنز من عام 1998 إلى عام 2001، سفيراً لدى الأردن، وشملت مناصبه الأخرى في الخدمة الخارجية: السكرتير التنفيذي لوزارة الخارجية والمساعد الخاص لوزيري الخارجية السابقين وارين كريستوفر ومادلين أولبرايت، وأيضاً كان مستشار الشؤون السياسية في سفارة الولايات المتحدة بموسكو، والقائم بأعمال المدير والنائب الرئيس لمدير تخطيط السياسات بوزارة الخارجية، والمساعد الخاص للرئيس الأميركي والمدير الأول لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي.

شخصية أساسية في إدارة بايدن

تقول صحيفة «النيويورك تايمز» إن بيرنز سعى، منذ تعيينه في منصبه، «إلى طرد أشباح الإخفاقات الاستخباراتية، بعد تقديراتها من أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل»، وهو يُعد الشخصية الرئيسة في تعزيز دعم إدارة بايدن لأوكرانيا، بعدما جمعت وكالته المعلومات الاستخباراتية بشأن خطط روسيا لغزوها، وأنه اكتسب نفوذاً يتجاوز معظم قادة الاستخبارات السابقين، و«كان تأثير فترة ولايته بعد سنتين من تعيينه كاسحاً بقدر ما كان دقيقاً»، بعد الإحباطات التي تعرضت لها «السي آي إيه»، وتهميشها خلال سنوات حكم دونالد ترمب، الذي قال علناً إنه يميل إلى تصديق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من تصديق الوكالة.

وحقاً، استعادت «السي آي إيه» هيبتها مع بيرنز الذي كان هو، وليس وزير الخارجية أنتوني بلينكن، الذي أرسله بايدن لمقابلة بوتين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وقام بيرنز أيضاً بنحو 30 رحلة إلى الخارج، خلال السنتين اللتين أمضاهما مديراً للوكالة، بينها لقاءات شملت مناقشة سياسات واشنطن مع القادة الأجانب. وكذلك لكونه عضواً في «الدائرة الداخلية» لبايدن، كثيراً ما طلب منه الحضور المنتظم للإحاطة اليومية من مكتب مدير الاستخبارات الوطنية حول الأمن القومي.

تعقيدات المنطقة تفرض نفسها

عن مستجدّات الشرق الأوسط رأى بيرنز أن «الأزمة التي عجّلت بها المذبحة التي ارتكبتها (حماس) في إسرائيل، في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هي بمثابة تذكير مؤلم بتعقيد الخيارات، التي لا تزال المنطقة تفرضها على الولايات المتحدة». وقال إن «مفتاح أمن إسرائيل والمنطقة هو التعامل مع إيران» التي «يبدو أن (نظامها) مستعدّ للقتال حتى آخِر وكيل إقليمي له، كل ذلك مع توسيع برنامجه النووي، وتمكين العدوان الروسي» على أوكرانيا.

وحول إيران خاصة، يُذكر أن بيرنز قاد، عام 2013، مع جايك سوليفان، مستشار الأمن القومي الحالي، «القناة التفاوضية الثنائية السرّية» مع إيران، والتي أدت إلى الاتفاق المؤقت بين إيران و«مجموعة 5 +1»، ومن ثم «الاتفاق النووي الإيراني». وورد أن بيرنز كان «في مقعد السائق» لفريق التفاوض الأميركي بشأن الاتفاق المؤقت، وكان قد التقى سراً مسؤولين إيرانيين منذ عام 2008، عندما انتدبه الرئيس جورج بوش «الابن» للمهمة. وفي أبريل (نيسان) 2013، أشادت به مقالة نُشرت في مجلة «ذي أتلانتيك»، وعدّته «السلاح الدبلوماسي السرّي» الذي وُجّه ضد «بعض تحديات السياسة الخارجية الشائكة التي تواجهها الولايات المتحدة».

لكن حيال ملف فلسطين وإسرائيل، ومع فشل محاولات بيرنز «التوفيق» بين الطرفين في عام 2002، تُطرح، اليوم، تساؤلات عمّا إذا كانت آفاق المفاوضات الجارية لوقف الحرب تتجه إلى الفشل نفسه تحت سقف أدنى بكثير لما هو متاح للفلسطينيين، وخصوصاً في ظل موقف أميركي يعدّه البعض «تواطؤاً» ضد مستقبل القضية الفلسطينية.

حملة بايدن الانتخابية

وبالفعل، قال مسؤولون أميركيون كبار أخيراً إن عملية رفح «لا تزال محدودة حتى الآن»، مستبعدين أن تكون إسرائيل تجاوزت «الخط الأحمر» الذي وضعه بايدن حول غزو برّي للمدينة نفسها قد يكون «نقطة انهيار» للعلاقات الأميركية الإسرائيلية.لكن هذا كلام يشكك بمضمونه عدد من المراقبين؛ لأنه، على الرغم من إعلان بايدن «وقفاً مؤقتاً» لشحنة أسلحة مهمة إلى إسرائيل، أكد بايدن، ووزير دفاعه لويد أوستن، الأربعاء، «الحرص على مواصلة القيام بما هو ضروري لضمان أن لدى إسرائيل الوسائل للدفاع عن نفسها». والواضح أن معظم التوتر الحالي بين الطرفين يعود إلى المخاوف على حظوظ إعادة انتخاب بايدن، في حال لم يتحقق بسرعة التوصل لـ«هدنة ما»، بعدما دخل السباق الرئاسي أشهره الأخيرة.


مقالات ذات صلة

السودان: معركة «كسر عظم» في الفاشر

حصاد الأسبوع آثار الدمار في الفاشر (آ ف ب)

السودان: معركة «كسر عظم» في الفاشر

الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور بأقصى غرب السودان، هي المدينة الوحيدة في الإقليم الكبير، الذي تضاهي مساحته مساحة فرنسا، التي لا تزال في يد الجيش والميليشيات

أحمد يونس (أديس أبابا)
حصاد الأسبوع السيناتور توم كوتون

هل يصبح السيناتور توم كوتون وريث «الترمبية» في الحزب الجمهوري؟

مع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الأميركية التي ستجري بعد نحو 5 أشهر، لا يزال اسم نائب الرئيس الذي سيُدرج على بطاقة الانتخاب مع الرئيس السابق دونالد ترمب،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع بنيامين نتنياهو (آ ب)

كوتون... أحد «صقور» السياسة الخارجية الأميركية

يعد السيناتور توم كوتون، من «صقور الحرب» في السياسة الخارجية الأميركية. وكان عام 2016، واحداً من 34 سيناتوراً وقّعوا رسالة إلى وزير الخارجية (يومذاك) جون كيري،

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع لافتات انتخابية من مختلف الأنواع في الشوارع (آ ب)

«حزب مانديلا» مضطر لتقاسم السلطة للمرة الأولى في تاريخه

بعد 30 سنة من احتكار الحكم في جنوب أفريقيا بات حزب «المؤتمر الوطني الأفريقي» مضطراً إلى تقاسم السلطة مع حزب أو أكثر من أحزاب المعارضة، إثر انتخابات تشريعية

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع مجلس النواب الأردني (الديوان الملكي)

الأردن يدرس «سيناريوهات» متعددة للتعامل مع الاستحقاقات الدستورية

تتباين تحليلات النخب السياسية الأردنية حيال المشهد السياسي المحلي في ظل التوقعات بقرب رحيل الحكومة وموعد حل البرلمان تمهيداً لإجراء الانتخابات النيابية المقررة

«الشرق الأوسط» (عمّان)

السودان: معركة «كسر عظم» في الفاشر

آثار الدمار في الفاشر (آ ف ب)
آثار الدمار في الفاشر (آ ف ب)
TT

السودان: معركة «كسر عظم» في الفاشر

آثار الدمار في الفاشر (آ ف ب)
آثار الدمار في الفاشر (آ ف ب)

الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور بأقصى غرب السودان، هي المدينة الوحيدة في الإقليم الكبير، الذي تضاهي مساحته مساحة فرنسا، التي لا تزال في يد الجيش والميليشيات المسلحة الموالية له، وذلك بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» على أكثر من 90 في المائة من إقليم دارفور ما عداها. ولقد استقرّ في الفاشر مئات الآلاف من الفارين بمَن فيهم الجنود والضباط الذين سيطرت «الدعم السريع» على «فرقهم» العسكرية، وبذا أضحت المدينة ذات الكثافة السكانية العالية تؤوي مئات الآلاف من النازحين منذ «حرب دارفور» عام 2003. وما يُذكر أن مدينة الفاشر تقع على بُعد 900 كيلومتر تقريباً غرب العاصمة الخرطوم، وتعدّ مركزاً تجارياً وزراعياً، وهي مركز «سلطنة الفور» التاريخية، وتلقب تحبّباً بـ«الفاشر أبو زكريا» تيمّناً بالسلطان زكريا والد سلطانها الشهير علي دينار. وأكثر من هذا، هذه المدينة العريقة هي حاضرة إثنية (أو شعب) الفور، التي تسمى بها الإقليم، وظل الفور يحكمونها طوال الفترة بين عامَي 1445 و1916.

تُقدّر كثافة سكان مدينة الفاشر حالياً بقرابة 900 ألف نسمة، يتوزّعون بين قبائل وإثنيات الإقليم والسودان المختلفة، وإن كانت الكثافة الأعلى لجماعة الزغاوة الإثنية. وإلى جانب السكان الأصليين، تضم الفاشر اليوم عدداً من معسكرات النازحين هي: «معسكر أبوشوك»، و«معسكر زمزم»، و«معسكر السلام»، وهي تؤوي المواطنين الذين نزحوا إلى حاضرة الإقليم إثر اندلاع الحرب بين الجيش والحركات المسلحة الدارفورية 2003. ومن ثم ازداد العدد كثيراً بعد استيلاء «قوات الدعم السريع» على مناطق ومدن الإقليم الأخرى؛ هرباً من القتال ومن الانتهاكات التي ترتكبها «الدعم السريع» إبان معارك السيطرة.

يشار إلى أنه قبل اندلاع الحرب في السودان، كان هناك شبه «اتفاق سكوتي» بين الجيش و«الدعم السريع» والحركات المسلحة على إبقاء الفاشر بعيدة عن النزاع، وعلى أن تحميها «القوات المشتركة» المكوّنة من قوات الحركات المسلحة الموقّعة على «اتفاقية سلام السودان» في جوبا، وهي «حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان» بزعامة مني أركو مناوي، و«تجمع قوى تحرير السودان» بقيادة الطاهر حجر، و«التحالف السوداني» بقيادة خميس عبد الله أبكر، و«حركة تحرير السودان - المجلس الانتقالي» بقيادة الهادي إدريس، وذلك إلى جانب الجيش و«الدعم السريع».

الهادي إدريس (سونا)

الفاشر «منطقة عسكرية»

ولكن، في أواخر أبريل (نيسان) 2023، أي بعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب، أُعيد تشكيل القوات المشتركة من قوات الحركات المسلحة كي تتولى مهمة تأمين انسياب المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين والطرق الرابطة بين المدن وبقية أنحاء البلاد، بعدما أعلنت هذه القوات «الحياد» بين الجيش و«الدعم السريع». وهذا الأمر أبقى المدينة بمنأى عن القتال على الرغم من سيطرة «الدعم السريع» على 4 ولايات من ولايات الإقليم الخمس، وأجزاء واسعة من الولاية الخامسة شمال دارفور.

وبالفعل، ظلت الحركات المسلحة محايدة بين الجيش و«الدعم السريع» طوال 7 أشهر، وممتنعة عن مناصرة أي منهما. إلا أن اثنتين من كبريات هذه الحركات هما «حركة العدل والمساواة» و«حركة تحرير السودان» أعلنتا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، إنهاء حالة الحياد، و«الانحياز» للجيش والقتال إلى جانبه ضد «الدعم السريع». وجاءت هذه الخطوة إثر اتهامهما «الدعم السريع» باستهداف المدنيين ونهب الممتلكات، والاستعانة بـ«أيادٍ أجنبية» اتهمتها بالسعي إلى تفتيت البلاد، بينما احتفظت حركة «تجمع قوى تحرير السودان» (بقيادة عضو مجلس السيادة السابق الطاهر حجر)، و«حركة تحرير السودان - المجلس الانتقالي» (بقيادة عضو مجلس السيادة الانتقالي الهادي إدريس) بموقفيهما المحايدَين، واختارتا الالتحاق بالقوى المدنية التي تطالب بوقف الحرب.

وبالتالي، تحوّلت الفاشر إلى منطقة عسكرية مكتظة بالجنود والآليات العسكرية والسكان والنازحين بإعلان الحركتين الكبيرتين الانحياز للجيش والقتال مع آخر القواعد العسكرية للجيش السوداني في إقليم دارفور «الفرقة السادسة - مشاة» في المدينة، التي انضم إليها الجنود الفارون من «الفرقة 15» في الجنينة، و«الفرقة 21» في زالنجي، و«الفرقة 16» في نيالا، و«الفرقة 21» في الضعين، والمعسكرات الأخرى التابعة للجيش التي كانت سيطرت عليها «الدعم السريع».

بعدها، منذ أبريل الماضي، حشدت «الدعم السريع» قوات كبيرة حول الفاشر، وطوّقت المدينة من الجهات كلها، وبدأت عمليات عسكرية في محاولة منها للسيطرة عليها. إذ شرعت في قصف المدينة بالمدفعية الثقيلة مع شنّ هجمات متفرقة، مستهدفة مقرّ قيادة الجيش والقوات المتحالفة معه؛ ما أدى إلى حركة نزوح كبيرة خارج المدينة نحو القرى والمعسكرات المتاخمة لها، وخلق أزمة إنسانية كبيرة للمدنيين الذين وجدوا أنفسهم تحت حصار مطبق.

آلاف المدنيين في الفاشر ومحيطها يعيشون أياماً عصيبة وسط أزدياد المخاوف من أن تتطور المواجهات إلى عنف دام ومعارك إثنية

كارثة إنسانية

أثار حصار الفاشر والكارثة الإنسانية المتوقعة، في حال استمرار الحرب في المدينة أو اجتياح «الدعم السريع» لها، مخاوف المجتمعَين الإقليمي والدولي من كارثة إنسانية كبيرة قد تتجاوز الكارثة التي حلّت بالإقليم إبان الحرب بين القوات الحكومية والحركات المسلحة 2003. وحقاً، حذّرت الأمم المتحدة يوم 26 أبريل الماضي من «عواقب وخيمة تطال السكان المدنيين» في الفاشر، بوصفها منطقةً على «حافة المجاعة». وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة أن مبعوثه إلى السودان، وزير الخارجية الجزائري السابق رمطان لعمامرة، يسعى مع الأطراف للتهدئة في الفاشر، ودعا الأطراف للامتناع عن القتال فيها.

وأبدت وزارة الخارجية الأميركية هي الأخرى، تخوّفها من تفاقم الصراع في الفاشر، ودعت الأطراف إلى الكف عن مهاجمة المدينة، ووقف هجوم وشيك عليها من قبل «الدعم السريع» من شأنه تعريض مئات الآلاف من المدنيين والنازحين للخطر. وفي خطوة تأتي في سياق مزيد من الضغط على «الدعم السريع» لوقف هجماتها على الفاشر، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات مالية يوم 15 مايو (أيار) الماضي على اثنين من قادة «الدعم السريع» الميدانيين هما: علي يعقوب جبريل وعثمان محمد حميد محمد، لدوريهما في العملية العسكرية في الفاشر وحصارها، وتعريض حياة مئات الآلاف من المدنيين للخطر، والتسبب بسقوط ضحايا في صفوف المدنيين.الأوضاع الميدانية

آدم رجال، الناطق الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، قال في رسالة لـ«الشرق الأوسط» الاثنين الماضي، إن قتالاً شرساً لا يزال يدور في إقليم دارفور، خصوصاً في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور. ووصف ما يحدث هناك بأنها «جريمة حرب»، و«جريمة ضد الإنسانية»، و«عقاب جماعي ضد المدنيين». وأردف رجال: «الجميع محكوم عليهم بالموت جوعاً، أو بسبب القصف المتعمد من قبل أطراف النزاع»، داعياً إلى «وقف فوري للقتال في الفاشر، وفتح الممرات الإنسانية دون تأخير، والسماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى المحتاجين الذين أنهكهم الجوع ويعيشون في ظروف مروّعة لا يحيط بها الوصف»، بحسب عبارته.

من جهة ثانية، وفقاً لمنصة «عاين» المستقلة، فإن آلاف المدنيين في الفاشر ومحيطها يعيشون أياماً عصيبة، وموجات نزوح مستمرة، في حين تزداد المخاوف من أن تتطوّر المواجهات إلى عنف وإراقة للدماء بدوافع عرقية، على غرار ما شهدته مدينة الجنينة وبلدة أردمتا في غرب دارفور.

ومن جانبها، أفادت «منظمة أطباء بلا حدود» بأن أكثر من 130 مدنياً قُتلوا جرّاء القتال في الفاشر، مع تقديرات بأن أعداد القتلى أعلى بكثير من هذا الرقم، في وقت لا يعمل فيه إلاّ مستشفى واحد هو الآخر تعرّض للقصف. وفي حين تتواصل هجمات «الدعم السريع» على المدينة وأحيائها، تقول مصادر الجيش والحركات المسلحة التابعة له، إنه صدّ الهجمات التي شُنّت على المدينة. وفي المقابل، يرى محللون أن العمليات التي تقوم بها «قوات الدعم السريع» راهناً هدفها «تليين» دفاعات الجيش وحلفائه قبل هجوم كبير قد تشنّه قريباً. وفعلاً، تحشد «الدعم السريع» قوات كبيرة حول الفاشر من الجهات الأربع، وتنشر مزيداً منها؛ ما أدى إلى عزل المدينة كلياً عن العالم، وأدى إلى نقص كبير في المواد الغذائية والمياه والدواء. ولذا يضطر الجيش إلى تزويد قواته المتمركزة في مقر «الفرقة السادسة - مشاة»، - أحد أكبر معاقل الجيش المتبقية في الإقليم - عن طريق «الإسقاط الجوي».

رمطان لعمامرة (آ ف ب)

جعفر حسن: ثمّة ذاكرة غربية ما زالت تختزن الانتهاكات الفظيعة في دارفور

* عزا جعفر حسن، الناطق باسم تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» السوداني التحذيرات الصادرة عن المجتمع الدولي ضد ما يحدث في الفاشر، إلى وجود «ذاكرة غربية مختزنة من الانتهاكات الفظيعة التي حدثت في دارفور إبان الحرب بين الحركات المسلحة والجيش في 2003». وأضاف: «الغرب يخشى أن توقظ ذاكرة وتاريخ ذلك الوقت في أذهان الناس هناك، وما يمكن أن يقود إليه هذا التذكار».وأوضح حسن أن الفاشر هي آخر مدينة في دارفور ظلت خارج دائرة الحرب. وبالتالي، غدت ملاذاً آمناً لكل حركات النزوح من مناطق دارفور الأخرى، ولكن «وجودها في قلب الصحراء بعيداً عن الحدود من تشاد وليبيا ووسط السودان، واقع يصعّب على المدنيين النزوح والهروب مرة أخرى، وهذا من الأسباب الرئيسية للاهتمام الدولي الكبير بما يدور في الفاشر».ومن ثم، حذّر حسن من مخاطر كبيرة تواجه الناس في المدينة ومحيطها، لافتاً إلى وجود «محاولات لإخراج المدنيين، وإيجاد مخارج آمنة لهم للهرب من الحرب التي تدور داخل الفاشر، والحؤول دون استخدام مدنيي المدينة ومعسكرات النازحين دروعاً بشرية أو أدوات حرب». وتابع: «لو أراد الناس الفرار من الفاشر، فإلى أين سيذهبون؟ لا توجد مدن قريبة تسع هذه الأعداد... صحيح هناك مدن صغيرة محيطة، لكنها لا تتّسع للأعداد الكبيرة التي قد تنزح». واستطرد شارحاً: «الخيار الأمثل بحسب الاتفاق السابق، أن يخرج الجيش و(الدعم السريع) من المدينة؛ لكي تُدار من قِبل القوات المشتركة. هذا هو الحل الصحيح، ولكن ما حدث قد حدث، والدانات تسقط على بيوت الناس من كل الأطراف المتقاتلة، والرصاصة لا تفرّق بين المدني والعسكري».وبالفعل، وفق التقارير، تحوّلت الفاشر مدينةً بحجم ثلاث مدن من حيث عدد السكان بعد لجوء الفارين من ثلاث ولايات إليها. غير أنه يبدو أن كلاً من الجيش و«الدعم السريع» سيخوضان معركة «نَفَس طويل» في المدينة؛ لأن مَن سيُسيطر عليها يكون قد كسر عظم غريمه.