يمكن معرفة قرب وقوع الزلازل من حالة هلع تنتاب بعض الكائنات الحية وهي تسمع دبيباً في الأرض، إثر تحرك طبقاتها السفلى. وقد اكتشف الإنسان مقدرة الحيوانات على التنبؤ بالزلازل مصادفة، وهو يرى تغيراً في هرموناتها قبيل وقوع الكارثة. وفي عصرنا الحالي صار في وسعنا التنبؤ بالمصائب والحوادث والمشكلات قبل وقوعها، وهي مرحلة غير مسبوقة في تاريخ البشرية.
على سبيل المثال، نجحت سنغافورة في التنبؤ باحتمالية تسبُّب سائقي الحافلات في حوادث مرورية خطيرة؛ إذ عكف العلماء على مراقبة البيانات السلوكية للسائقين، وأضافوا إليها بيانات خاصة مرتبطة بأدائهم على الطرقات عموماً، وذلك عبر خوارزميات تساعد على التنبؤ بوقوع الحوادث. ولما نجح ذلك البرنامج صار في وسع المسؤولين إعادة تأهيل السائقين وتدريبهم كل حسب متطلباته، وكانت النتيجة انخفاضاً لافتاً في معدل الحوادث إلى 1.41 وهو أقل بكثير من المتوسط الطبيعي 2.8، بحسب أحد تقارير القمة العالمية للحكومات.
إذن في مقدور البشر التنبؤ بـ«حرب الشوارع» وهو عنوان للفيلم الكويتي الشهير. وأنا أتجول بالسيارة أتساءل لمَ لا تجمع البلدان ملايين البيانات من حركة السير، ومواقع الاختناقات المرورية، وأكثر الأماكن التي شهدت حوادث مروعة، لوضع حلول خلاقة؟ لمَ لا نفتح أبواب المدارس والجامعات والمستشفيات وغيرها للباحثين لجمع البيانات والغوص في أسباب مشكلاتنا المستعصية؟
لمَ لا تجمع البلدان بيانات شعوبها وتغربلها، ليس للتجسس، بل لصالح الإنسان وحل مشكلات مرتبطة بأكثر الأمراض فتكاً بالشعب، وأكثر الأماكن أو المواسم التي تشهد حوادث؟ كيف نتجاهل التقارير الدولية والاختبارات الوطنية التي تشير إلى انحدار مخيف في أرقام المستوى التعليمي، لتدفع في نهاية المطاف سوق العمل مساوئ كل ذلك؟ وإذا ما خَرّجنا «أنصاف متعلمين» سيكون لدينا «أنصاف مُعَلِّمين» سينقلون ضعفهم للأجيال المقبلة، وهنا مكمن الكارثة. مشكلة العدو الخارجي يسهل التصدي الجماعي لها، غير أن المشكلات الداخلية لا تقل خطورة لأننا لا نولي اهتماماً يذكر لمؤشرات وقوع الكارثة.
مشكلتنا أننا لا نضع «مجسات» تنذر بقرب حدوث المشكلة في شتى الميادين. أخبرني قائد عسكري رفيع أنهم تطوعوا في تقديم خريطة لأماكن تجمع الأمطار في بلاده، وقدموها طواعية للمسؤولين حتى يستعدوا لحل المشكلات قبل حلول موسم الأمطار. لمَ لا نضع خريطة للمباني الآيلة للسقوط أو المتقادمة، وخريطة للموهوبين، وبنكاً لمعلومات المتخصصين للاستعانة بها وقت الشدة؟ لمَ لا نعمم تجربة السعودية في إيجاد هيئة البيانات والذكاء الصناعي، و«جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي» لتكون نواة للاستفادة من المعلومات وحل المشكلات؟
ولا نحتاج إلى معرفة عدد مرات وقوع المشكلة حتى نأخذها مأخذ الجد، فعدد حوادث الطائرات أقل بآلاف المرات من حوادث السيارات، ومع ذلك يتنبأ نظام الطائرة بقرب وقوع المكروه، ويأخذه بجدية عندما تتدلى أقنعة الأكسجين أمامنا.
هناك من يستفيد من المعلومات في التنبؤ بوقوع المصائب والحوادث وهناك من لا يزال يسير خلف الركب لأنه لم يستفد من المعلومة التي أصبحت عصب الحياة العصرية، وسبباً أساسياً في إيجاد الحلول ومعرفة مكمن المشكلة.
8:42 دقيقه
TT
التنبؤ بالمصائب
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
