د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

... ولم نتلق رداً!

تلك عادة عربية رسمية أصيلة؛ إذ يتصل الصحافيون المنخرطون في تغطية القصص الساخنة والجدلية بالمسؤولين المعنيين بالرد وتوضيح الأمور الخاصة بمؤسساتهم وأدائها العمومي، فلا يرد عليهم أحد، أو يأتي الرد بكلمتين: «لا تعليق»، أو يطلب المسؤول وقتاً لدرس المسألة وإعداد رد مناسب، ثم يذهب ولا يعود، أو يعود بعض أن تمضي القصة وتترك أثرها الذي لن يتغير كثيراً بالرد المتأخر.
هكذا يضطر الصحافي المهني، الذي آثر أن يرفد تغطيته الإعلامية بالتوازن الضروري لإدراك الموضوعية وصيانة حق الأطراف المعنية في التعبير عن مواقفها ورؤاها، لأن ينشر قصته أحياناً من دون رأي الطرف الرسمي، الذي تخلف عن أداء واجبه وترك الساحة خالية لمنتقديه.
على مدى ثلاثة عقود فائتة لم أكفّ عن متابعة هذا الجدل الصحافي الذي تُوجَّه خلاله الاتهامات والانتقادات إلى أُطر رسمية عربية ضمن تغطيات مؤسسات إعلامية تريد أن تنتهج نهجاً موضوعياً في معالجة قصصها، أو ترغب في استيفاء إجراءات تحقيق الموضوعية نظرياً لكي لا تُتهم بالانحياز ونقض الحياد، لكنّ تلك المؤسسات تُخفق في الحصول على الرد... أي رد.
ثمة ثلاثة أسباب رئيسية تكمن وراء هذا الخلل: أولها يتعلق بحالة الارتباك التي تضرب المؤسسات الرسمية العربية عند تناولها بالنقد أو الاتهامات، وهي حالة تصل في كثير من الأحيان إلى الرعب. إذ يُصاب قطاع كبير من المسؤولين بالهلع عندما يعلمون أن قصة صحافية تتناول أداء مؤسساتهم بالانتقاد، أو تكشف ممارسة خاطئة ارتكبتها، أو تدّعي زوراً وجود فساد أو مشكلة. هذا الهلع يربك أداء المؤسسة الاتصالي، ويضعها في موضع العاجز والمتخبط، فتخفق في معالجة الأمور على النحو الصائب.
وأما السبب الثاني وراء هذا الإشكال فيتصل بغياب الاستراتيجية الاتصالية للمؤسسات الرسمية العربية، أو الخلل المستديم في إعدادها وإدامتها واختيار القائمين على تنفيذها، الذي يتم عبر معياري الأقدمية أو الولاء في أغلب الحالات، وكما نعلم جميعاً فإن هذين المعيارين لا يأتيان بأفضل العناصر غالباً.
ويتجسد ثالث أسباب هذه المعضلة في النزعة البيروقراطية التي تهيمن على الأداء المؤسسي العربي، وهو أمر يحدث في أهم المؤسسات وأكثرها رفعة وخطورة واتصالاً بالمصالح الوطنية للأسف الشديد. إذ يتم تغليب اعتبارات التراتبية المهنية وتركيز المسؤولية من دون منح الفرص لمقابلة الحالات المُلحة والعاجلة لأشخاص مدرَّبين ومتخصصين ويتمتعون بالثقة والصلاحيات الكافية للتعامل مع المستجدات الطارئة وفق قواعد وأصول احترافية، وضمن منهج واستراتيجية مُعدة سلفاً وتحظى بالفهم والاتفاق داخل إطار المؤسسة.
تؤدي هذه الأسباب مجتمعةً إلى نشر القصص الصحافية ذات الاتجاه الواحد One Side Story، أي تلك التي تُظهر رأي طرف واحد غالباً في قضية معقدة قد تؤثر تأثيراً كبيراً في مصالح المؤسسات والدول التي تتناولها.
وعندما تتضمن التغطية الصحافية لإحدى القصص المهمة عبارة «ولم نتلق رداً»، سيصعب جداً على الجمهور العادي أو حتى المتخصصين أن يتهموا الصحافي أو المؤسسة الإعلامية بالانحياز ونقض الموضوعية، لأنها نشرت الاتهامات من دون الرد عليها أو موازنتها بعرض رد الطرف المعنيً... إذ تخلى هذا الطرف المعنيّ عن حقه، وترك القصة تمضي من دون إعلان موقفه، ومكّن نقاده من كيل الاتهامات له من دون أن يدحضها أو يفنّدها.
يحاول مسؤولو الاتصال في المؤسسات الرسمية العربية الدفاع عن أنفسهم في مواجهة هذا الاتهام بالتقصير في صيانة الصورة الذهنية لمؤسساتهم ودولهم في وسائل الإعلام المختلفة بالكثير من الأعذار؛ ومنها أن «الأمر خطير ويستوجب الدراسة المتفحصة قبل الإدلاء بالرأي»، أو «هذه وسيلة إعلام مُغرضة وتمولها دولة كارهة»، أو «يجب عرض الأمر على المسؤول الأعلى أولاً، ولم يكن وقته يسمح»، أو «نحن مؤسسة رفيعة الشأن ولدينا مسؤوليات دقيقة، ويجب ألا تحدد وسائل الإعلام لنا إيقاع عملنا».
من جانبي، لا أجد تلك الأعذار مقنعة، ولا أعدها كافية لتبرير الغياب عن القصص الصحافية المؤثرة. وفضلاً عن أنها لا تنهض كذريعة كافية لتسويغ العجز عن أداء الدور الاتصالي لتلك المؤسسات، فإنها أيضاً لا تخدم الصحافة ولا الجمهور ولا الحقيقة.
وعلى الأرجح، فإن قطاعاً كبيراً من هؤلاء المسؤولين يدركون الدور المهم والمؤثر للإعلام في صياغة الرأي العام وصناعة الصورة الذهنية للدول والمؤسسات، لكن أغلبهم قد يفوته للأسف أن الانطباعات الأولى التي تخلقها قصة صحافية تتكرس وتدوم، وأن الوصول متأخراً بأفضل الحجج وأكثرها قدرة على الإقناع لا يغيّر تلك الانطباعات عادةً.