يقولُ مثلٌ شعبي «رَجعتْ حليمة لعادتها القديمة». لا أحدَ يعرف، على وجه الخصوص، من تكون حليمة المقصودة في المثل، أو ما قصة حرصها على العودة إلى ما هجرت من عادة أو عادات. وواقعياً، عودتها أمر شخصي لا شأن لنا به، ما دام لم يصلنا منه سوء. لكن عودة العسكر الأفارقة إلى مسلسل الانقلابات المهلكة شأنٌ يهمّ الجميع، ولا يمكن تجاهله.
واستناداً إلى تقارير إعلامية، شهدت أفريقيا خلال الثمانية عشر شهراً الأخيرة، ما يقارب من سبع انقلابات ومحاولات انقلابية، آخرها في غينيا بيساو، وقبلها في بوركينا فاسو ومالي.
علاقة القارة السمراء بالانقلابات العسكرية تزامنت مع نهاية المرحلة الاستعمارية، وبدء مرحلة الاستقلال. ويُرجعُ المؤرخون تلك العلاقة بالانقلابات إلى الظاهرة التي أرساها الحكم الاستعماري، بحرصه على تنصيب حكام عسكريين لإدارة شؤون البلدان المستعَمرة، مما يعني أن شعوب تلك البلدان لم تعرف طوال حقبة الاستعمار أي نوع آخر من أنواع الحكم. وهذا بدوره أفضى إلى مسلسل الانقلابات العسكرية من دون توقف، بمجرد بدء مرحلة الاستقلال. قليلون جداً من قادة الانقلابات في أفريقيا اتسموا بالنضج السياسي وأغلبهم مهرجون. أحدهم، من دون حياء، نصّب نفسه إمبراطوراً تشبّهاً بنابليون، وآخر اشترى لنفسه، بأموال شعبه، لقب ملك ملوك أفريقيا. ولقي أغلبهم ميتات شنيعة، على يد نظرائهم من العسكريين، أو على أيدي أفراد الشعب. وتعدد النهايات لا يلغي حقيقة أن النتيجة واحدة. والأهم من ذلك، أن هذا الوباء استفحل وأضر بشعوب تلك القارة الفقيرة رغم ما حباها الله به من موارد طبيعية، وعودتهم لا تبشر بخير.
عقب نهاية الحرب الباردة، وانهيار المنظومة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي، هدأت الأمور نسبياً في بلدان القارة الأفريقية، وبدأت الديمقراطية تتقدم بخطوات خجولة ومتعثرة. وحتى مع انتشار التزوير والتحايل في نتائج الانتخابات، وما صاحبها من اضطرابات شعبية دموية في بعض البلدان، إلا أن ضباط الجيوش جنحوا إلى السلم، والتسليم بمبدأ البقاء في ثكناتهم مؤقتاً. ذلك الالتزام لم يكن طوعياً، بل جاء نتيجة لتغيرات شهدتها الساحة الدولية سياسياً. أضف إلى ذلك، اتفاق قادة دول الاتحاد الأفريقي، بالتأكيد على دعم المسار الديمقراطي، ورفض الاعتراف بأي انقلاب عسكري. ذلك الاتفاق نجح إلى حد ما في قمع مطامع العسكريين وطموحاتهم في الاستيلاء على السلطة لفترة زمنية. إلا أن الأمور تغيرت بعد اندلاع ثورات «الربيع العربي»، وانعكاس ذلك سلباً على الاتحاد الأفريقي. أضف إلى ذلك، بروز وتفاقم موجة التطرف الإسلاموي، ووصولها إلى عديد من دول أفريقيا؛ الأمر الذي مهّد الطريق أمام ضباط الجيوش لاقتناص ما أتاحت لهم الظروف من فرص، واعتلاء خشبات المسارح، في بلدان عديدة مجدداً.
يوم الثلاثاء الماضي، قامت مجموعات مسلحة بالهجوم على القصر الرئاسي في غينيا بيساو، بينما كان الرئيس أومارو سيسوكو إمبالو مجتمعاً مع رئيس الحكومة. وأدت المواجهات المسلحة بين فرق الأمن الرئاسي والمهاجمين إلى إحداث حالة رعب شديدة بين السكان، كما أفضت المواجهات إلى جرح وموت العشرات من الطرفين. وفي اليوم التالي، أدلى الرئيس إمبالو ببيان عبر وسائل الإعلام المحلية أعلن فيه القضاء على القوة المهاجمة. الفشل لا يعني، في هذا السياق، عدم اللجوء إلى تكرار المحاولة في المستقبل القريب. عودة العسكريين الأفارقة إلى الانقلابات ليس سوى محاولة بائسة لإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء. اللافت للانتباه، أن الانقلابيين في مالي وبوركينا فاسو يحظون بتأييد شعبي كبير. ذلك التأييد ناجم عن معاناة السكان في البلدين من مسلسل الفساد الذي ميّز الحكم المدني في البلدين.
الانقلابات وغينيا بيساو رفيقان قديمان منذ استقلالها من الاستعمار البرتغالي عام 1974. المعلقون الإعلاميون يؤكدون، أن العديد من المحاولات الانقلابية حدثت في ذلك البلد الفقير الواقع في غرب أفريقيا، جنوب السنغال. الرئيس الحالي أومارو سيسوكو إمبالو كان جنرالاً في الجيش، ووصل إلى الرئاسة عبر صناديق الانتخابات في عام 2020. إلا أن رئيس الوزراء السابق لم يقبل بالنتيجة ورفع دعوى بالخصوص في المحاكم. ومع ذلك، قام الرئيس المنتخب بتشكيل حكومة ومباشرة مهامه، من دون حاجة إلى انتظار حكم المحكمة. في بيانه للشعب قال الرئيس إمبالو، إن قوات الأمن تمكنت من دحر الغزاة. كلمة غزاة مقصودة، لكي توحي للشعب بأن الانقلابيين ليسوا من أهل البلاد، بل جاءوا من الخارج. وحقائق الواقع على الأرض تؤكد أن ضباطاً كباراً في الجيش كان يهيئون الأمور للإطاحة بالرئيس منذ وقت.
يقول مهتمون بالشؤون الأفريقية، إن الصراع على السلطة في غينيا بيساو ناجم على التنافس بين النخب السياسية والعسكرية في الاستحواذ على أكبر نسبة من الأموال التي يقدمها مهربو المخدرات وقادة الجرائم المنظمة. غينيا بيساو بلاد فقيرة وصغيرة المساحة وقليلة السكان. لا يتجاوز عدد سكانها 1.5 مليون نسمة، محرومة من الموارد الطبيعية. وتعد حالياً أكبر معبر لتهريب المخدرات القادمة من بلدان أميركا اللاتينية في طريقها إلى أوروبا.
8:23 دقيقه
TT
أفريقيا: عودة الانقلابات العسكرية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
