لبنان: قبل فوات الأوان!

لبنان: قبل فوات الأوان!

الأحد - 15 جمادى الأولى 1443 هـ - 19 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15727]

يعيش بعض الأطراف السياسية اللبنانية حالة من الانفصال عن الواقع، فيما تتغنى أطراف أخرى، بكثير من الفوقية والتبجح والاعتزاز، بانتماءاتها الخارجية التي لا تتحرّك إلا بموجب ما يصب في خدمة الجهات التي تعمل لمصلحتها. وبين هذا وذاك ضاعت البلاد وأُدخلت في غياهب المجهول السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي.
إن السقوط المريع الذي تشهده الساحة اللبنانية، وآخر مؤشراته هو الانهيار الكبير في سعر صرف العملة الوطنية، يعني عملياً الذهاب نحو حقبة جديدة من الفوضى والنزاعات الداخلية.
يتعرّض لبنان لتدمير ممنهج، ولتهجير منظم لأبنائه في مختلف القطاعات إلى كل أصقاع الأرض. إن هذا التدمير والتفريغ يصبّان مباشرةً في خدمة مشاريع التوسع الإمبراطوري وفي سبيل توسيع قواعد النفوذ الإقليمي لمحور الممانعة.
لا يريد هذا المحور للبنان أن يواصل رسالته القديمة في التعددية والتنوع والانفتاح بل يريده نسخة طبق الأصل عنه في التخريب والتقوقع والانغلاق.
إن البلدان التي خضعت لنفوذ هذا المحور شهدت كل أنواع الحروب والنزاعات المسلحة ذات الطابع الطائفي والمذهبي، كما أن شعوبها تعيش قهراً وذلاً وفقراً وتفتقر إلى أبسط المقومات الحياتية وحقوق الإنسان للعيش بكرامة يمكن من خلالها بناء مجتمعات حضارية متقدمة تحقق فيها الأجيال الشابة ما تصبو إليه من طموحات مشروعة في العلم والمعرفة والحياة اللائقة.
المهم أن اختطاف القرار اللبناني يماثل اختطاف قرارات الدول الأخرى وجرّها إلى أتون الانقسامات، وتصفية كل أصوات الاعتراض من دون إقامة أي اعتبار للقوانين والمواثيق الدولية أو لمفهوم حرية الرأي وحرية التعبير. إلا أن أثمان هذا الاختطاف فيما يخص لبنان هي أثمان باهظة، ذلك أن هذا البلد صغير بجغرافيته، ولكنه كبير في موقعه ورسالته ودوره.
لذلك، فإن سياسة التخلي عن لبنان تعني الإقرار النهائي بانضمامه إلى محور المقامرة. بقدر ما تتواصل سياسة التخلي، بقدر ما يضعف لبنان وتختل موازين القوى فيه بشكل كبير وتصبح استعادته من ذاك المحور أكثر صعوبة. وبقدر ما تتحول السياسة العربية تجاه لبنان من الانكفاء إلى الاحتضان، بقدر ما تتحول موازين القوى تدريجياً من موقع إلى مواقع أخرى.
إن الخيارات اللبنانية الاستراتيجية الكبرى لم تكن يوماً محل إجماع وطني، فبعض التيارات فيه تعيد تاريخه إلى الحقبة الفينيقية، والبعض إلى الفتح الإسلامي، والبعض إلى قومية لبنانية حديثة لم تكن موجودة، والبعض إلى القومية العربية... وليست معادلة النفي السلبي هي التي تصنع الأوطان، حسبما قال الصحافي جورج نقاش.
لقد حسمت وثيقة الوفاق الوطني اللبناني (اتفاق الطائف)، التي تم التوصل إليها في عام 1989، هوية لبنان العربية بعد نزاع دموي مؤلم وطويل. وعاش لبنان بعدها حقبة عربية مهمة مثّلتها تجربة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبلغت أوجها في منتصف التسعينات.
من هنا، فإن التقهقر اللبناني الراهن إنما يشكّل ضربة قوية للمشروع العربي، وهو المشروع الذي يحتاج بدوره إلى إعادة تحديث وتطوير وإعادة تشكيل وفق الأسس والتحولات الكبرى التي شهدها العالم خلال السنوات الخمسين الماضية.
لبنان يستحق فرصة تتيح الحفاظ على وجوده وتحميه من الانجرار إلى مواقع لا تتماشى مع تاريخه وتراثه ومستقبله.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو