«كوفيد ـ 19» يعصف بشعبية بوتين

«كوفيد ـ 19» يعصف بشعبية بوتين

الخميس - 5 جمادى الأولى 1443 هـ - 09 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15717]
أليكسي كوفاليف
- محرر تحقيقات لدى موقع «ميدوزا» الإخباري الروسي المستقل
- خدمة «نيويورك تايمز»

من المتعذر سجن فيروس فتاك أو نفيه أو تجنيده، ولا يمكن احتواؤه واحتجازه في مساحة محدودة من دون تكبد تكلفة اقتصادية باهظة، الأمر الذي يضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مأزق. وقد كشفت جائحة فيروس «كوفيد – 19»، التي ربما تشكل ألد أعداء بوتين حتى الآن، على نحو صارخ، عن قدرة الرئيس الروسي.
الملاحظ أن الأسابيع العديدة الماضية جاءت مؤلمة على نحو خاص. وتراوح عدد الإصابات اليومية في البلاد حول 35 ألفاً، في حين أن الأرقام الرسمية، التي ربما جرى التقليل منها، تسجل أكثر من ألف حالة وفاة يومياً، (وهذا قبل انتشار متحور «أوميكرون»، الذي جرى رصده داخل روسيا في وقت قريب، ويتفشى في الأرجاء على مساحة واسعة). ويعود جزء كبير من هذا الوضع المزري إلى تدني معدلات اللقاح على مستوى البلاد، فبعد حملة تطعيم استمرت على مدار نحو عام، لم يجرِ تطعيم سوى 41 في المائة من السكان على نحو كامل، ما يعد أقل من معدلات التطعيم في لاوس أو كيب فيرد.
ويتحمل الكرملين نفسه اللوم على هذا الوضع. وبالنظر إلى القدرات الفكرية والإدارية والتكنولوجية لروسيا، كان ينبغي أن تكون عملية توزيع اللقاح على السكان أمراً ممكناً وفي المتناول. بيد أنه بدلاً من ذلك، قوضت السلطات ثقة الجمهور على نحو قاتل من خلال الرسائل المتضاربة التي صدرت عنها - التي تأرجحت بين الانتصار وإثارة الخوف - بجانب تطبيق تدابير عشوائية بهدف احتواء الفيروس.
وجاءت النتيجة في صورة جمهور متشكك لا يثق بالسلطات. وكشف أحدث استطلاع من مركز ليفادا، وهو مؤسسة مستقلة تعمل في مجال استطلاعات الرأي، عن أن نسبة التردد في أوساط الروس بخصوص اللقاح بلغت 36 في المائة. وتمثّلت نتائج أخرى في تنامي حركة مناهضة للقاحات، بقيادة شخصيات كانت صديقة للنظام في السابق، الأمر الذي يثير المتاعب للنظام. واليوم، ليس من الواضح إن كان بمقدور الرئيس بوتين، الذي عادة ما يكون بارعاً في قمع المشاعر التي لا تروق له، فعل الكثير حيال ذلك.
وتعمد الحركة المناهضة للقاحات سطوراً من بيانات وتصريحات كان أول صدور لها من جانب السلطات. في مارس (آذار) 2020 على سبيل المثال، ادعى الطبيب الروسي الشهير، ليونيد روشال، أن فيروس «كورونا» الجديد ليس أكثر خطورة من الإنفلونزا العادية، بل طالب بمحاكمة أولئك الذين قالوا خلاف ذلك. وعندما أصبح النطاق الحقيقي للوباء جلياً ودخلت العواصم الأوروبية في عمليات إغلاق، عمدت وسائل الإعلام الحكومية والمسؤولون إلى التقليل من أهمية أو تجاهل التقارير التي تتحدث عن تفشٍّ كارثي للفيروس في العديد من المناطق، وأشادوا بما سموه «انفتاح» موسكو.
وعلى مدار الشهور القليلة التي أعقبت ذلك، عمد التلفزيون الحكومي إلى الترويج لنظريات المؤامرة حول اللقاحات الغربية، الأمر الذي ألقى بظلال من الشك على فاعلية التطعيم، بل يبدو أن «روسيا اليوم»، التي أمدت جمهورها الغربي بجرعة ثابتة من المؤامرات، قد عززت نشاط معارضي اللقاحات داخل روسيا. وبحلول الوقت الذي غيرت فيه الحكومة ووسائل الإعلام نغمتهما، وفرضت التطعيم الإلزامي في صيف عام 2021 وتحركت نحو قمع المؤامرات ضد اللقاح، كان الأوان قد فات.
وجاء الاندفاع نحو الإعلان عن أول لقاح مسجل في العالم، الذي يفترض أنه انتصار في مواجهة الغرب، بمثابة هدية أخرى للمشككين في اللقاح. ويحمل اللقاح الروسي اسم «سبوتنيك في» وجرى طرحه قبل استكمال القائمة الكاملة للتجارب السريرية الواجب خوضها. ويصف المشككون اللقاح الروسي بأنه «لم يجر اختباره» وأعلنوا رفضهم المشاركة في «تجارب طبية غير قانونية».
وزاد الأمر سوءاً بسبب الإحصاءات الرسمية غير المتناغمة والتقلبات في السياسات الرسمية على نحو يثير الريبة، وبمرور الوقت، ظهرت حركة مناهضة للقاحات. ويتركز الاهتمام في الوقت الراهن على مشروع قانون جرى طرحه في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) من شأنه إلزام الروس الراغبين في الدخول إلى المرافق العامة غير الأساسية بتقديم كود «كيو آر» للتأكيد على تلقيهم اللقاح. ويقف حزبان يساريان رئيسيان داخل البرلمان، أو «الدوما»، ضد القانون الجديد، ووصفوه بأنه «تحريضي» و«فاشستي». وأمام هذه الانتقادات، أعلن رئيس مجلس «الدوما» أن مشروع القانون سيتأخر لمدة شهر آخر للسماح بعقد مزيد من المشاورات.
بعد ذلك، أغرق معارضو القانون صفحات السلطات المحلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالشكاوى. وعندما طلب رئيس مجلس «الدوما» من الجمهور ترك تعليقاته عبر «تيليغرام»، تلقى سيلاً من التعليقات الغاضبة التي تجاوزت 725 ألف تعليق. وأقام النشطاء الدنيا عبر الفضاء الإلكتروني. ولم تقتصر الاعتراضات على شبكة الإنترنت.
من جهتها، لاحظت ألكسندرا أركييبوفا، عالمة الأنثروبولوجيا الاجتماعية التي تدرس المشاعر المناهضة للقاحات داخل روسيا، ارتفاعاً حاداً في الاضطرابات العامة المتعلقة بالتطعيم في مناطق داخل روسيا - مما لا يتجاوز 12 حادثاً في أكتوبر (تشرين الأول) إلى أكثر من مائة في نوفمبر. وفي الغالب، تبدأ هذه الاضطرابات في شكل تجمعات سلمية في الغالب، حيث يقرأ بضع عشرات بصوت مرتفع نداءً موجهاً إلى «المسؤولين الصالحين» لحمايتهم. اليوم، غالباً ما تتضمن هذه الاحتجاجات إقدام مجموعات من الأشخاص «على احتلال» مكاتب حكومية ويشاركون في مشاجرات بالأيدي مع مسؤولي الأمن والشرطة.
ومع أن هذه الاحتجاجات لا تزال بعيدة عن المظاهرات الحاشدة التي شهدتها باريس وبروكسل وبرلين خلال العام الماضي، فإنها تبقى تطوراً مهماً في روسيا، حيث جرى في الفترة الأخيرة حظر المعارضة العامة تماماً، ووضع أعضاء من المعارضة السياسية قيد الإقامة الجبرية لخرقهم التدابير الاحترازية في مواجهة فيروس «كورونا» المستجد.
رداً على ذلك، كالت وسائل الإعلام الروسية المملوكة للدولة انتقادات لاذعة للمشككين في اللقاح مع مستوى الشراسة الذي عادة ما يقتصر على انتقاد المعارضة المناهضة لبوتين شخصياً.
من جهتها، كتبت مارغريتا سيمونيان، رئيسة تحرير صحيفة «روسيا اليوم» - التي ادعت في يناير (كانون الثاني) 2020 أن فيروس «كورونا» يؤثر فقط على «العرق الصيني» - عبر قناتها على «تيليغرام»، أن الشكوك تساورها حول «القدرات الإدراكية» الأساسية للناشطين المناهضين للقاحات.
ومع ذلك، من غير المحتمل أن تفلح هذه الهجمات في كسب الكثير من القلوب والعقول. واللافت هنا أن هذه الاستجابة لا تحاول تصوير حركة مناهضة اللقاحات داخل روسيا باعتبارها نتاج مؤامرة أجنبية تهدف لتقويض روسيا.
ويعود ذلك ببساطة لأن المشككين في اللقاح لا ينتمون إلى الفئات التي عادة ما ينتمي إليها النشطاء المناهضون للكرملين. في الواقع، يقود الحركة مشاهير مثل ماريا شوكشينا، الممثلة الشهيرة التي نالت في وقت قريب وسام الاستحقاق، وإيغور بيرويف، الممثل الشهير الذي اشتهر بارتدائه نوط نجمة داود الصفراء. وعليه، أصبحت قواعد اللعب المعتادة للتعامل مع المعارضة - المضايقات القانونية والجسدية والإعلامية والاعتقالات التعسفية والمحاكمات الشكلية - غير قابلة للتطبيق هنا.
من جهته، يبدو أن بوتين حساس إزاء هذه المعضلة، وعمد مراراً إلى نقل عبء الإعلان عن قيود جديدة إلى كاهل المسؤولين الحكوميين والمحافظين المحليين، وذلك لحماية شعبيته، علاوة على أنه لا يرتدي قناعاً لحماية الوجه في الأماكن العامة. الواضح أنه يقف عاجزاً عن إيجاد سبيل للخروج من المشكلات الراهنة، ويخالجه القلق من إثارة غضب الناس بشدة. وبذلك يتضح أن هناك حداً لما يمكن لحاكم مثل بوتين أن يفرضه على شعبه. وفي خضم ذلك، لا يزال الروس يتساقطون قتلى بالآلاف ضحية للفيروس القاتل.
- محرر تحقيقات لدى موقع «ميدوزا» الإخباري الروسي المستقل
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو