نموذج لشرعية سياسية وسيطة

نموذج لشرعية سياسية وسيطة

الأربعاء - 4 جمادى الأولى 1443 هـ - 08 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15716]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

كان في ذهني حين كتبت مقالة الأسبوع الماضي، ثلاث دول عربية، افترضت أنها جاهزة لإعادة تعريف مصادر الشرعية السياسية، بالرجوع إلى النموذج العقلاني - القانوني. هذه الدول هي العراق وليبيا وتونس.
لكن أستاذنا الدكتور جاسر الحربش، وهو طبيب وكاتب رأي معروف في المملكة، لفت انتباهي إلى أنَّ الصين وروسيا، لا تزالان في حال تردُّدٍ بين دائرتي الشرعية العقلانية/القانونية ونظيرتها التقليدية/الآيديولوجية. تتمتع هاتان الدولتان باستقرار سياسي ونمو اقتصادي منضبط، وبالتالي فهما أكثر استعداداً لتبني نموذج الشرعية العقلانية – القانونية الصافية. هكذا يفترض علماء السياسة. لكن واقع الحال يخبرنا أنَّ غالبية الصينيين والروس صوّتوا لصالح الزعماء الحاليين، الذين يمثلون امتداداً للحقب السابقة بمحمولها الآيديولوجي وتقاليدها. ويبدو أنَّ في العالم العديد من النماذج المماثلة، حتى في دول متقدمة أو شبه صناعية.
قد يشير هذا إلى ميلٍ عميق في التكوين الثقافي - النفسي للجماعات، لم يخضع بقدر كافٍ للبحث والتحليل. سوف أسمِّيه «الشرعية الوسيطة»، وهي مركب يجمع طرفاً من المصدر التقليدي للشرعية السياسية، مع مستوى متوسط من الإنجاز الاقتصادي - السياسي.
من المفهوم أنَّ حكومة الرئيس شي جينبينغ في الصين، تتَّكئ على جدار متين من الإنجازات الاقتصادية، فضلاً عن الاستقرار السياسي والأمني والمكانة الدولية. ومثلها حكومة الرئيس فلاديمير بوتين في روسيا، الذي نجح، إلى حدٍّ ما، في استعادة المكانة الدولية التي تمتَّعت بها موسكو، قبل تفكك الاتحاد السوفياتي في 1991.
هذا القدر من الإنجاز، يضاف إلى عرف راسخ في الثقافات التقليدية، يحبذ الاستمرارية والتواصل ويعرض عن التغيير، لا سيما التغيير الذي ينطوي على مغامرة أو مفارقة صريحة للأعراف التاريخية. إنَّ اهتمام الحكومتين بالتاريخ الوطني والرموز الثقافية يستهدف، بشكل مباشر ومقصود، تسليطَ الضوء على القيادة الحالية، بوصفها وريثةَ أمجاد الماضي المتخيلة، القابضة أيضاً على مكاسب العصر ومنجزاته.
بعبارة أخرى، فإنَّ النخبة السياسية في روسيا والصين، تقدم مثالاً ناجحاً عن إمكانية الجمع بين نموذج تقليدي محوره الاتصال بالماضي المجيد، وانتقالي محوره الإنجاز المادي الفعلي. أودُّ أيضاً إضافة المصدر القانوني الذي يتجلَّى في الدستور والانتخابات الدورية، رغم ما يشوبهما من إشكالات.
أظنُّ أنَّ رؤية الدكتور جاسر صحيحة تماماً، في أنَّ توليفاً بين المصدرين: التقليدي والقانوني – العقلاني، يمكن أن يشكِّلَ احتمالاً مناسباً في الدول التي تمرُّ بظرف انتقالي، أو تلك التي لا تملك إرثاً ثقافياً يدعم النموذج الحديث للسلطة والسياسة.
وبالنسبة للدول العربية التي تعيش أزمات وجودية، فإنَّ نموذجاً مثل هذا أو قريباً منه، يمكن أن يشكِّل بديلاً عن الفوضى الشاملة، التي ربما يؤول إليها تحول ديمقراطي غير مؤسس على ثقافة عامة مساعدة، كما هو الحال في ليبيا، كما أنَّه بديلٌ أسلمُ من بروز الاستبداد كمنقذ وحيد من الأزمات المستعصية والانسداد السياسي، نظير ما نسمع عن العراق وتونس.
لقد أثبت النموذج الديمقراطي – الليبرالي نجاحاً منقطع النظير، بالقياس إلى جميع التجارب التي عرفها تاريخ البشرية. لكنَّنا نعلم أنَّ هذا النموذج لم يهبط من المريخ، بل كان ثمرة لبنية ثقافية تطورت بالتدريج. ولذا فقد يكون من الأجدى بالنسبة للبلدان التي تعيش أزمات، أو تلك التي خرجت للتو من أزمات، أن تتَّبع النموذج الوسيط الذي طبقته روسيا والصين، حتى تتبلور البنية الثقافية والاقتصادية الداعمة للتحول إلى الحداثة السياسية الكاملة، وعندئذ سيكون الانتقال سلساً وشبه تلقائي، كما أظنُّ.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو