تفارق الأفهام بين المجتمع والدولة

تفارق الأفهام بين المجتمع والدولة

الأربعاء - 26 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 01 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15709]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

أشعر بأن غالبية الدول العربية؛ سيما التي تعيش ظروفاً متأزمة، في حاجة لمراجعة الأرضية التي تقوم عليها شرعية الحكم. مفهوم الشرعية السياسية ينطوي في جواب السؤال التالي: ما المبرر الذي يعطي شخصاً ما أو هيئةً ما الحق في الأمر والنهي والتصرف في أموال الناس وأنفسهم؟
من الضروري مراجعة وتجديد مصادر الشرعية، في ظرف الاسترخاء السياسي على وجه الخصوص. لكنه يبدو اليوم ضرورياً أيضاً؛ بسبب ما يظهر في الميدان السياسي من تفارق في فهم هذا الموضوع بالذات، بين الجمهور والنخبة السياسية.
بيان ذلك: تحاول النخب السياسية العربية تبرير سلطانها بالرجوع إلى القانون. فهي تقول إنها تحكم في إطار قانون معلن، وإن أوامرها ونواهيها صادرة وفق هذا القانون. أما الجمهور؛ فما زال يعدّ صاحب السلطة مسؤولاً - بصفة شخصية - عن الوفاء بما قطعته الحكومة من وعود، وما توقعه الجمهور من تحسن لأوضاع المعيشة والأمن... إلخ.
لفتت هذه المسألة أنظار المفكرين منذ القدم. لكن جان جاك روسو، الفيلسوف الفرنسي، هو الذي وضع مفهوم الشرعية في صيغة محددة، وربطها بالتفاهم الضمني بين الجمهور والنخبة. أوضح روسو مفهوم الشرعية في مقولته الشهيرة: «الأقوى ليس قوياً تماماً، حتى يقتنع الناس بأن ولايته عليهم حق له، وأن طاعتهم أمره واجب عليهم». «الشرعية السياسية» من أبرز مباحث علم السياسة المعاصر. ويبدأ بحثها عادة بشروحات ماكس فيبر، مؤسس علم الاجتماع الحديث، الذي عالج المفهوم كما هو في الواقع، وبغض النظر عن تفضيلاته الخاصة.
تحدث فيبر عن نموذجين للشرعية السياسية: تقليدي وعقلاني. أما التقليدي؛ فيدور غالباً حول شخص الزعيم، الذي يراه الجمهور صاحب حق في السلطان، بغض النظر عن ممارسته السياسية الفعلية. مع مرور الوقت وبروز أجيال جديدة، يبدأ الناس التفكير في «إنجازات» الزعيم، بوصفها عاملاً شريكاً في استمرار شرعيته.
لكن «الإنجاز» مفهوم قصير الأمد؛ بسبب المسافة الواسعة بين توقعات الناس وقدرة الدولة على تحقيق تلك التوقعات. يخضع عمل الدولة لـ«قانون الندرة»، الذي هو في الوقت ذاته السر وراء صعوبة إرضاء الجمهور («رضا الناس غاية لا تدرك»؛ كما نقل عن لقمان الحكيم).
يطالب الناس بأكثر مما تستطيع الحكومة إنجازه، فتضطر الحكومة لتذكيرهم بالقانون، وهو الإطار الحديث - العقلاني للشرعية السياسية. أي إنها تتحول من التأكيد على الإنجاز مصدراً لشرعية سلطانها، إلى التأكيد على القانون إطاراً ناظماً لهذه الشرعية ومبرراً لاستمرارها.
من الناحية الواقعية؛ بلغ العالم العربي مرحلة الشرعية العقلانية. لكنه - على المستوى الثقافي - ما زال في مرحلة الشرعية التقليدية، التي تتراوح بين الكاريزما والحق الشخصي. وقد ذكرت آنفاً أن مطالبات الجمهور تتجه للأشخاص الذين تتألف منهم النخبة السياسية؛ لا سيما شخص الزعيم.
في اعتقادي أن تركيز الجمهور على الأشخاص مرهق لهم وللدولة معاً، فضلاً عن أنه غير عقلاني وغير مفيد. إن الصورة المثلى للإدارة العامة تتجلَّى في الفهم المشترك بين الجمهور والنخبة لقدرات كل طرف وحدوده، والإطار الناظم للعلاقة بين الطرفين، كي لا تتحول إدارة البلد إلى نوع من التجاذب وترامي المسؤولية، بدل التعاون على حمل الأعباء المشتركة. هذا يعني بالتحديد تحويل مفهوم القانون والشرعية المستندة إليه، إلى جزء نشط في الثقافة العامة، والتأكيد على خضوع الجميع؛ حكاماً ومحكومين، لمقولاته، سيما في البلدان التي تعيش ظروف أزمة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو