أنطوان الدويهي
أستاذ جامعي لبناني
TT

أفراد وشعوب

استمع إلى المقالة

بينما تتصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وإيران وأذرعها، ذاهبةً أكثر فأكثر إلى مواجهة إقليمية شاملة، من قبرص إلى باب المندب، يتبادر إلى الذهن هذا التساؤل: هل كان حدث هذا الحسم العسكري الذي لا سابق له، لو لم يكن هناك رجل واحد في «البيت الأبيض» اسمه دونالد ترمب؟ هل المسألة كلها إذن مسألة رجل واحد؟طالما ساد الاعتقاد، على مدى قرون، قبل أن يبرز مفهوم الشعب، بأنّ محرّك التاريخ هو الأفراد؛ الأفراد القادة الذين يتمحور حولهم كلّ شيء. وقبل الأفراد والشعوب، كان الاعتقاد طوال ألف عام من القرون الوسطى الأوروبية، بأن محرّك التاريخ هو العناية الإلهية، وأن البشر لا يقدِّمون ولا يؤخّرون في مسارات هذا العالم. إلى أن قامت في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، ثم القرن السادس عشر، تلك الثورة الثقافية الكبرى التي هي «النهضة الأوروبية»، التي أنهت القرون الوسطى وفتحت أبواب الأزمنة الحديثة. تُطلَق عليها صفة «الثورة الإنسانية»، لأنها مهَّدت لنقل محرّك التاريخ من المحور الإلهي إلى المحور البشري، حيث بات الإنسان قادراً على التأثير في الواقع وعلى فعل التقدّم، كما تمّ الانتقال من أولوية الحياة والسعادة الأبديتين إلى أولوية الحياة والسعادة الأرضيتين، وتحرير الجسد من كونه مصدر الآثام والشرور، وإعلاء شأن العقل النقدي، وكل ما نجده الآن من مفاهيم وأنماط سلوك في دنيا الحداثة الغربية.

لكن بعد ذلك، لم يبرز الشعب أوّلاً بوصفه محرّكاً للتاريخ، بل الأفراد العظام، من ملوك وقادة حروب، كان أكثرهم وهجاً في أوروبا «الملك الشمس»، الفرنسي لويس الرابع عشر. وفي الآداب والفنون الكلاسيكية ساد المفهوم بأن «الأنا بغيضة»، أي «مَن أنتَ يا هذا لتعبّرعن مشاعرك وعن حياتك الذاتية؟». فالأدب والرسم موضوعهما الأفراد العظام، من قديسين وملوك وقادة تاريخيين. ولم تصبح «الأنا» موضوع الآداب والفنون إلا مع الأدب الرومنطيقي ثم الرسم الانطباعي، وما تلاهما حتى اليوم.

ولم يظهر مفهوم الشعب بوصفه محرّكاً للتاريخ إلا منذ الثورة الفرنسية الكبرى، آخر القرن الثامن عشر، التي أسقطت «النظام القديم»، ثم ثورة باريس الشعبية «كمونة باريس» التي ألهمت ماركس وأنغلز. رأى ألكسي دو توكفيل، المفكر الاجتماعي الكبير، والأرستقراطي الذي عايش الثورة الفرنسية، أن «التوق إلى المساواة» الذي يسكن الشعب هو محرِّك التاريخ. ووُلِد علم الاجتماع (السوسيولوجيا) في حينه، ليفسّر تفسيراً علميّاً هذه الظاهرة المستجدة على العقل، التي هي الشعب.

لكن بين الثورة الفرنسية وكموّنة باريس، ظهرت مغامرة نابليون بونابرت المذهلة، التي أعادت الاعتبار إلى القائد الفرد بوصفه صانعاً للتاريخ. فمن غرائب القدر، أن الثورة الفرنسية التي أسقطت قروناً طويلة من النظام الملكي الفرنسي ومن حكم آل البوربون وأعدمت لويس السادس عشر، «حفيد القديس لويس»، ما لبثت أن انتصرت لعسكري مجهول من جزيرة كورسيكا الداخلة حديثاً إلى فرنسا، يتمتع بقدرات شخصية خارقة، تسلّق بسرعة كل المراتب وأعلن نفسه إمبراطوراً. وسارت وراءه جحافل الجيوش الفرنسية لإخضاع أوروبا والعالم، من عكا إلى موسكو، هاتفةً «ليحيا الإمبراطور!».

أفرادٌ وشعوب... والآن أيضاً في عزّ حرب الشرق الأوسط، وفي مستهل الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، يُطرَح التساؤل نفسه: ماذا لو لم يكن هناك الرجل الثمانيني، ترمب؟ ومن تُراه محرّك التاريخ حقاً، الشعوب أم قادتها؟ بين القوى العظمى الأربع الكبرى، تبدو ثلاث منها، الصين وروسيا والهند، أنها حسمت أمرها وسلّمت مصائرها للرجل القائد الأوحد لأجل طويل من الزمن، وربما حتى حلول الأجل. أما الولايات المتحدة، القوة الأكبر، فهي على غرار سائر الديمقراطيات الغربية، ما زالت للشعب فيها أولوية القرار. ومهما بلغت سطوة ترمب، فولايته لن تتخطى السنوات الأربع. وعليه الآن، في أوّج المواجهة العسكرية مع النظام الإيراني وأذرعه، أن يأخذ في الاعتبار توازنات الكونغرس الدقيقة وتحولاته المرتقبة، وتأثير وسائل الإعلام، ونتائج الاستقصاءات التي تظهر معارضة أكثرية الرأي العام للحرب. إنها حيوية الديمقراطية الغربية، التي وصفها ريمون أرون بأنها «ليست النظام السياسي الأمثل، بل الأقل سوءاً».