أندرياس كلوث
خدمة «بلومبيرغ»
TT

أوروبا... الطاعون و«كورونا»

مع انتشار فيروس «كورونا» في أوروبا العام الماضي، بدأت الرسوم الكاريكاتورية والتعليقات تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي الفرنسية، التي ربما جاءت مباشرة من القرن الرابع عشر. وفي أحد المسلسلات، صُورت السيدة آغنيس بوزين، اليهودية، التي كانت وزيرة الصحة في فرنسا حتى فبراير (شباط) 2020 بملامح مشوهة وبشعة وهي تصب السم في الآبار.
كان هذا «المجاز» لليهود الذين يسممون الآبار لقتل المسيحيين قد شاع انتشاره في أغلب الأوبئة الأوروبية منذ العصور الوسطى، لكنه كان متفشياً بشكل خاص أثناء جائحة الطاعون، عندما أسفر عن المذابح والمجازر التي تعرض لها اليهود في مختلف أنحاء القارة. وهذا هو الاستنتاج المزعج لتقرير جديد صادر عن «معهد الحوار الاستراتيجي»، وهو مركز أبحاث تابع للمفوضية الأوروبية.
هناك مؤلفان استخرجا المنشورات الفرنسية والألمانية من تطبيقات «تويتر» و«فيسبوك» و«تليغرام» بين يناير (كانون الثاني) 2020 (أي قبل انطلاق فيروس «كورونا» في أوروبا) ومارس 2021. وبحثا عن المحتوى المعادي للسامية وفق تعريف صادر عن «التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست». ولم يجدا بضعة منشورات معدودة من الكراهية فحسب، وإنما أرتال بأكملها.
وفي كلا البلدين، ارتفعت المجازات والاستعارات المعادية للسامية خلال الوباء. وفي فرنسا؛ حيث كان «تويتر» القناة المفضلة لهذا التعصب الأعمى - على الأقل حتى عدّلت شركة «تويتر» من سياساتها - ازداد عدد المنشورات المعادية للسامية بواقع 7 أضعاف. وفي ألمانيا؛ حيث يبدو «تليغرام» المنصة المفضلة، ارتفعت بمقدار 13 ضعفاً. مع الإعجابات، والمشاركات، وإعادة التغريد مقدرة بالملايين، في حين بلغت المشاهدات حدّ المليارات.
ورغم أن قنوات ومنافذ التواصل قد تبدو حديثة، فإن السرد فظيع إلى حدّ يبعث على الإحباط. إن قصة تسميم الآبار قديمة للغاية. لكنها تتحول الآن إلى قصص تحاول إعادة صياغة الرواية بشأن فيروس «سارس - كوف - 2» بأنه «سلاح بيولوجي صهيوني»، من خلال اختلاق الروابط اليهودية مع المختبرات في الصين، على سبيل المثال.
لقد قامت قناة ألمانية على «تليغرام»، تضم أكثر من 34 ألف متابع، بنشر مقاطع للفيديو على أنها «دليل» مزعوم بهندسة الفيروس بيولوجياً، بحيث لا يؤذي إلا «غير اليهود» فقط. ورفع صاحب القناة شعاراً يقول: «(كورونا) ليست لليهود! بل فقط للأمميين (غير اليهود)». هذا ما يصفوننا به! وفي قناة أخرى، زعم المستخدمون أن «اليهودي الأبدي قد اخترع علم الفيروسات»، إشارة إلى فيلم دعائي نازي.
ويجري تداول «المجاز» المتناقض على نحو متوازٍ. فهو يقول إن فيروس «سارس - كوف - 2» إما أنه غير موجود على الإطلاق، أو أنه موجود، ولكنه غير ضار، وهو بدلاً من ذلك «شيء مُختلق» من طرف اليهود والأمم التي أفسدوها، مثل بيل غيتس، أو آل كلينتون، في سعيهم للسيطرة على شعوب بأكملها وإقامة «نظام عالمي جديد».
يستعين هذا النوع المزعوم من معاداة السامية في النظام العالمي الجديد بسرد قديم للغاية، ذلك السرد الذي استغلته على نحو فجّ «بروتوكولات حكماء صهيون». هذا النص الخيالي تماماً، الذي تم تخليقه قبل أكثر من قرن في روسيا، وتُرجم إلى كثير من اللغات، تظاهر بتوثيق كيف أن اليهود يضعون الخطط السرية لحكم العالم من خلال التلاعب بوسائل الإعلام، والتمويل، والحكومة.
وفي بعض السلالات الراهنة المعادية للسامية، فإن التطعيم هو الأداة المزعومة التي اختارتها المؤامرة العالمية، وكان ألبرت بورلا، الرئيس التنفيذي اليهودي لشركة «فايزر»، يظهر بارزاً في هذه الادعاءات. وتزعم بعض الملصقات أن اللقاحات تهدف إلى قتل أو تعقيم الأمم الأخرى. وذلك للتغلب على عقبات منطقية واضحة، مثل الدور الرائد لإسرائيل في التلقيح الجماعي، ويتصور مستخدمون آخرون أن جرعات اللقاح الإسرائيلية ما هي إلا عقاقير وهمية.
ويستمر الأمر على منواله، في حلقات لا تنتهي من جنون الارتياب والأوهام. كما كان الحال دوماً في أوروبا، وأماكن أخرى من العالم. فكان على الباحثين أن يضبطوا أنفسهم على عينة صغيرة فقط من البلدان والشبكات الاجتماعية المستخدمة.
لقد شعر مؤلفو الدراسة أنهم مجبرون، كما يفعل المرء، على تقديم أفكار بشأن التعديلات التنظيمية أو القانونية للحد من المشكلة. ومن جانبها، يتعين على الشبكات الاجتماعية التفكير بجدية أكبر في كيفية تجفيف بؤر التعصب الأعمى مع مواصلة استضافة حرية التعبير المشروعة عبر منصاتها. لكن الحقيقة المحزنة أنه مع استمرار التكنولوجيا البشرية في تحقيق أهدافها، فإن الطبيعة البشرية والثقافة تتخلف عن الركب على نحو مؤسف للغاية، وغالباً لا يبرحون طرق التفكير في العصور الوسطى بصفة حرفية. كم وددت لو كان هناك لقاح ضد الغباء والكراهية!
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»