الوضع الإنساني يتفاقم في غزة

قتلى وجرحى من «حماس» بغارات إسرائيلية

طفل فلسطيني خلال تشييع والده الشرطي الذي قُتل بغارة إسرائيلية في خان يونس الجمعة (رويترز)
طفل فلسطيني خلال تشييع والده الشرطي الذي قُتل بغارة إسرائيلية في خان يونس الجمعة (رويترز)
TT

الوضع الإنساني يتفاقم في غزة

طفل فلسطيني خلال تشييع والده الشرطي الذي قُتل بغارة إسرائيلية في خان يونس الجمعة (رويترز)
طفل فلسطيني خلال تشييع والده الشرطي الذي قُتل بغارة إسرائيلية في خان يونس الجمعة (رويترز)

صعّدت إسرائيل من جديد غاراتها داخل قطاع غزة، موقعة قتلى وجرحى مستهدفة بشكل مباشر عناصر أمنية شرطية وفصائلية، كانت تقوم بمهام حراسة في مناطق وسط القطاع وجنوبه، وذلك مع استمرار تفاقم الظروف الإنسانية، سواء بفعل الأجواء الشتوية العاصفة، أو بفعل أزمات أخرى متلاحقة يشهدها القطاع غزة، نتيجة الإجراءات الإسرائيلية والتقييدات المستمرة على إدخال بعض البضائع والسلع المهمة.

وشنت طائرة استطلاع إسرائيلية، بعد منتصف ليل الخميس – الجمعة، غارة جوية استهدفت 3 عناصر ينتمون لقوة «الضبط الميداني، التابعة لـ«كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»؛ حيث كانوا في مهمة «رباط» وانتشار في منطقة المسلخ، جنوب خان يونس جنوب قطاع غزة، وهي منطقة تستغلها بعض العصابات المسلحة لمحاولة الوصول للمدينة لتنفيذ هجمات أو خطف فلسطينيين.

تشييع جثمان شرطي فلسطيني قًتل بغارة إسرائيلية في خان يونس الجمعة (أ.ب)

ونُقلت جثث العناصر الثلاثة إلى مجمع ناصر الطبي، بينما كان هناك جريحان وصلا برفقة الجثث، ووُصفت حالة أحدهما بالخطيرة.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن هؤلاء العناصر يعملون تحت إطار «القوة المشتركة» التي شُكلت ما بين «كتائب القسام» و «سرايا القدس» الجناح المسلح لحركة «الجهاد الإسلامي»، لتنفيذ مهام أمنية وحراسة المناطق الخطيرة ليلاً في ظل خطر تحركات العصابات المسلحة، وكذلك تسلل أي قوات خاصة إسرائيلية كما جرى في عدة مرات سابقاً.

بينما قُتل عنصر شرطة يتبع وزارة الداخلية التابعة لحكومة «حماس»، وأصيب زميله بجروح حرجة، إثر قصف طالهما في أثناء حراستهما مدخل مخيم البريج وسط قطاع غزة.

فلسطينيون يؤدون صلاة الجمعة وسط أنقاض مسجد دمره القصف الإسرائيلي خلال الحرب في مدينة غزة (د.ب.أ)

وتعمل عناصر الشرطة التابعة لحكومة «حماس» في الانتشار بالتنسيق مع «القوة المشتركة» لـ«القسام» و«سرايا القدس»، حيث يتم التنسيق بين جميع الجهات لضمان أمن وحماية المناطق المختلفة مع تعقيد الوضع الأمني ومحاولات إسرائيل المكثفة لجمع المعلومات استخباراتياً سواء عبر المرتبطين بها من فلسطينيين أو من خلال استخدام عناصر تلك العصابات المسلحة.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم عناصر «حماس» كردٍّ على خروج عناصر من المسلحين التابعين للحركة من أحد أنفاق رفح، مساء الخميس.

وتزامن ذلك مع قصف جوي عنيف تعرضت له مناطق شرق مدينتي غزة وخان يونس، وشمال رفح، وسط قصف مدفعي وإطلاق نار من الآليات الإسرائيلية.

فلسطينية تسير في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح بقطاع غزة الخميس (أ.ف.ب)

بينما قُتل فلسطيني آخر، إثر استهدافه من قبل طائرات مسيرة «كواد كابتر» أطلقت النار اتجاهه في منطقة العطاطرة شمال غربي بلدة بيت لاهيا، شمال قطاع غزة. بينما أصيب 3 فلسطينيين على الأقل، بينهم سيدة برصاصة في الرأس، إثر خروقات مماثلة.

وقتلت إسرائيل أكثر من 620 فلسطينياً منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025؛ ما رفع إجمالي عدد الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى أكثر من 72 ألفاً.

ونددت فصائل فلسطينية باستمرار الخروقات الإسرائيلية، واستهداف المدنيين وعناصر مسلحة تتبع الأجنحة العسكرية، وكذلك عناصر الشرطة والأمن التابعين لحكومة «حماس».

عائلة فلسطينية تتناول الإفطار في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح بقطاع غزة الخميس (أ.ف.ب)

ورأى حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، أن استمرار التصعيد الإسرائيلي يعكس استخفافاً بجهود الوسطاء، وضرب إسرائيل بعرض الحائط «مجلس السلام» ودوره، مضيفاً أن «الاحتلال يواصل حرب الإبادة والتدمير بحق الشعب الفلسطيني، وما تغير يقتصر على الشكل والأسلوب، بما يدل على أن حديث الدول الضامنة عن وقف الحرب يفتقر إلى أي رصيد حقيقي على الأرض».

الوضع الإنساني

يأتي هذا التصعيد الإسرائيلي، مع استمرار تفاقم الظروف الإنسانية، سواء بفعل الأجواء الشتوية العاصفة، أو بفعل أزمات أخرى متلاحقة يشهدها قطاع غزة، نتيجة الإجراءات الإسرائيلية والتقييدات المستمرة على إدخال بعض البضائع والسلع المهمة.

نازحون فلسطينيون يتدافعون للحصول على وجبة طعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة الخميس (إ.ب.أ)

ولليوم الثالث على التوالي، تتعرض خيام النازحين للغرق نتيجة الأمطار التي تهطل بغزارة من حين إلى آخر، الأمر الذي تَسَبَّبَ في تخريب محتويات تلك الخيام من أمتعة وغيرها، واضطر سكانها للبحث عن بديل للمبيت في أماكن أخرى لحين توقف الأمطار.

«الأونروا»

وفي السياق نفسه، أعلنت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إن النزوح القسري وقيود المساعدات في غزة أديا إلى اكتظاظ السكان، وتدهور الملاجئ، وعدم كفاية خدمات الصرف الصحي؛ ما يزيد من انتشار الأمراض، لافتةً إلى أن فرقها بغزة أكدت وجود زيادة حادة في التهابات الجلد والأمراض المنقولة بالمياه.

طفل فلسطيني وسط حشد يتدافع للحصول على وجبة طعام من مطبخ خيري في خان يونس جنوب قطاع غزة الخميس (أ.ف.ب)

وقالت: «تعمل (الأونروا) على مساعدة الناس من خلال خدمات الصحة والصرف الصحي، لكننا بحاجة إلى مزيد من الصلاحيات لتلبية الاحتياجات الهائلة».

وتمنع إسرائيل دخول المستلزمات التي تهدف لإصلاح البنية التحتية وبناء المستشفيات والمدارس؛ ما يعقد المشهد الإنساني وكذلك الصحي.

«أطباء بلا حدود»

أكدت منظمة «أطباء بلا حدود» التزامها بالبقاء في الأراضي الفلسطينية لتقديم المساعدة لأطول مدة ممكنة بموجب تسجيلها لدى السلطة الفلسطينية، رغم القرار الإسرائيلي الذي يحدد الأول من مارس (آذار )2026 لمغادرة 37 منظمة غير حكومية للمناطق الفلسطينية، بما يشملها.

ودعت المنظمة الإنسانية الطبية الدولية، إلى زيادة كبيرة في المساعدات المنقذة للحياة ووصول المساعدات الإنسانية دون عوائق وسط الكارثة المستمرة في غزة، حيث ما زالت الخسائر في الأرواح تحدث بسبب استمرار العنف والقيود المتواصلة على المساعدات، التي تفرضها السلطات الإسرائيلية. كما قالت.

وأضافت: «بموجب القانون الإنساني الدولي، تتحمل السلطات الإسرائيلية مسؤولية ضمان تقديم المساعدة الإنسانية بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، ومع ذلك، فإن القواعد الجديدة التقييدية، التي تطلب من 37 منظمة غير حكومية مغادرة فلسطين بحلول الأول من مارس، تنذر بتقليص المساعدات إلى حد كبير، علماً أنها غير كافية أساساً، ويجب على الحكومات في جميع أنحاء العالم ضمان احترام قرارات محكمة العدل الدولية، بما في ذلك تسهيل تقديم المساعدات الإنسانية».

وقال الأمين العام لمنظمة «أطباء بلا حدود»، كريستوفر لوكيير: «تعمل منظمة أطباء بلا حدود على الحفاظ على الخدمات المقدمة للمرضى في بيئة مقيدة بشكل متزايد، علماً أن الاحتياجات هائلة والقيود الصارمة لها عواقب مميتة. إن مئات آلاف المرضى بحاجة إلى الرعاية الطبية والنفسية، وعشرات الآلاف بحاجة إلى المتابعة الطبية والجراحية والنفسية طويلة الأجل».


مقالات ذات صلة

بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس) p-circle

بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

استأنفت حركة «حماس»، انتخابات رئيس مكتبها السياسي (أعلى مستوى قيادي) في جولة للإعادة، بعدما فشلت جولة أولى، الشهر الماضي، في تحديد هوية الرئيس الجديد للحركة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا امرأة تتفاعل بينما يستمع الناس إلى إجراءات المحكمة خارج المحاكم الملكية في وسط لندن (أ.ف.ب)

الحكومة البريطانية تفوز باستئناف يتعلق بقرار حظر «فلسطين أكشن»

فازت الحكومة البريطانية اليوم (الاثنين) في استئنافها على حكم قضائي بعدم قانونية حظرها لحركة «فلسطين أكشن».

«الشرق الأوسط» (لندن )
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

تحدثت تقارير عبرية عن تحولات جذرية لدى الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الملف الحدودي مع مصر في ظل مخاوف من تكرار «هجوم محمد صلاح» الذي وقع قبل 3 سنوات.

هشام المياني (القاهرة)
خاص طفل فلسطيني يأكل من وعاء بعدما تسلم وجبة طعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

خاص إسرائيل تستأنف هجماتها بغزة وتستهدف ناشطين

توقفت الغارات منذ فجر الثلاثاء وحتى ظهر الخميس، قبل أن يتم استئنافها بتنفيذ عمليات طالت نشطاء من فصائل فلسطينية، والعودة لاستهداف المربعات السكنية من جديد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب) p-circle

خاص «حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

أكدت 3 مصادر فلسطينية التوصل إلى ما وصفته بـ«صياغات مناسبة» بين ممثلي فصائل غزة المجتمعة في القاهرة والوسطاء من مصر وقطر وتركيا، حول «السلاح» في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
TT

المحكمة العليا الإسرائيلية ترفض الإفراج عن الطبيب حسام أبو صفية

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)
الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية الذي احتجزه الجيش الإسرائيلي بغزة أواخر عام 2024 ولا يزال رهن الاعتقال يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (رويترز)

رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، الثلاثاء، طلباً لإطلاق سراح الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية المحتجز دون تهمة منذ اعتقاله بغزة في أواخر 2024.

أبو صفية مدير مستشفى كمال عدوان وهو من بين 14 طبيباً على الأقل من غزة تحتجزهم إسرائيل دون تهمة منذ أكثر من عام.

وقال ناجي عباس، مدير قسم الأسرى والمعتقلين في منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل» لوكالة «رويترز» للأنباء، الثلاثاء، إن المحكمة استندت في قرارها إلى «مواد سرية» لم يتم إطلاع أبو صفية أو محاميه عليها. وأحجم متحدث باسم المحكمة العليا عن التعليق.

وقال عباس في بيان: «الرسالة التي يبعث بها هذا القرار واضحة لا لبس فيها، وهي أنه يمكن حرمان طبيب من حريته إلى أجل غير مسمى دون توجيه تهمة إليه، ودون أن تقدم السلطات أدلة ضده في جلسة مفتوحة».

ويقول محامي أبو صفية ومنظمات حقوق الإنسان إن الطبيب محروم من الطعام الكافي ويتعرض لاعتداءات في السجن. ونفت مصلحة السجون الإسرائيلية هذه الاتهامات.

الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية يظهر عبر رابط فيديو في جلسة استماع أمام المحكمة العليا الإسرائيلية بالقدس (أ.ب)

وظهر أبو صفية عبر اتصال بالفيديو في جلسة أمام المحكمة العليا في القدس، الأربعاء الماضي، وبدا فاقداً للوزن بشكل ملحوظ.

وقالت منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل» إن أبو صفية محتجز في العزل الانفرادي منذ 13 يوماً.

ويقول الجيش الإسرائيلي إن أبو صفية ينتمي إلى حركة «حماس»، دون تقديم أدلة على ذلك. ونفت وزارة الصحة في غزة وحركة «حماس» هذه الادعاءات.

وكان أبو صفية من بين الأطباء الذين رفضوا ترك العشرات من الأطفال حديثي الولادة الذين كانوا يعالجونهم بعد أن أمرهم الجيش الإسرائيلي بالمغادرة في 2023.


شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
TT

شنايدر لـ«الشرق الأوسط»: مأرب تقدم نموذجاً مثالياً للتعاون الدولي في اليمن

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)
السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

​قبل أن يغادر مأرب بساعات، كان السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر يستعيد مشاهد أيام قليلة أمضاها في المحافظة التي يزورها للمرة الأولى، بين مخيمات النازحين، ومواقع المشاريع الإنسانية، ولقاءات المسؤولين ومشايخ القبائل، وبدا أن شيئاً واحداً ظل يرافقه في كل محطة: الابتسامة.

السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر خلال المقابلة بفندق بلقيس بمأرب (الشرق الأوسط)

في محافظة استقبلت ملايين النازحين، ووقفت سنوات على خط المواجهة الأول مع الحرب، وجد الدبلوماسي الألماني صورة مختلفة عما قد توحي به عناوين الصراع والأزمات الإنسانية؛ صورة تختلط فيها التحديات القاسية بروح من التفاؤل والإصرار على الحياة.

داخل فندق «بلقيس» ذي الطراز السبئي، الذي شُيِّد في ثمانينيات القرن الماضي وسط مدينة مأرب، وقبيل مغادرته المحافظة، تحدث شنايدر لـ«الشرق الأوسط» عن زيارة حملت في ظاهرها طابعاً إنسانياً وتنموياً، ولكنها كشفت له أيضاً جانباً سياسياً واجتماعياً يراه مهماً في مستقبل اليمن.

يقول السفير الألماني إن زيارته جاءت للتعبير عن التضامن مع أبناء مأرب ومع اليمنيين عموماً، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، موضحاً أن الوفد الألماني حرص على زيارة عدد من المشاريع الإنسانية ومخيمات النازحين واللاجئين، للاطلاع مباشرة على احتياجات السكان وتقييم أثر البرامج المدعومة من ألمانيا وشركائها الدوليين.

لكن ما لفت انتباهه أكثر من أي شيء آخر -حسب قوله- كان طبيعة العلاقة التي نشأت في مأرب بين السلطات المحلية والمنظمات الدولية والوكالات الأممية.

ويضيف: «رأينا نموذجاً إيجابياً للتعاون بين الحكومة اليمنية والدول المانحة، والأهم من ذلك التعاون الوثيق بين السلطات المحلية في المحافظة والوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة».

ومن وجهة نظره، لا تكمن أهمية هذه التجربة في حجم المشاريع المنفذة فحسب؛ بل في قدرتها على خلق شراكة حقيقية بين مختلف الأطراف العاملة على الأرض، وهو ما جعل مأرب -حسب وصفه- نموذجاً يمكن الاستفادة منه في مناطق أخرى.

ويتابع: «هذه الشراكة تمثل نقطة بالغة الأهمية، وقد لمسنا أن تجربة مأرب تشكل نموذجاً ناجحاً يمكن الاقتداء به من قبل جميع الأطراف المنخرطة في العمل الإنساني والتنموي».

شنايدر خلال زيارته لمعبد برَّان الأثري بمحافظة مأرب (السفارة الألمانية)

وعلى امتداد سنوات الحرب، تحولت مأرب إلى أكبر مركز لاستقبال النازحين في اليمن؛ حيث استوعبت موجات متتالية من الأسر الفارة من مناطق القتال. ويرى شنايدر أن الطريقة التي تعامل بها أبناء المحافظة مع هذا الواقع تمثل إحدى أبرز قصص النجاح اليمنية خلال سنوات الصراع.

ويقول: «استقبلت مأرب أعداداً كبيرة من النازحين من مختلف أنحاء اليمن، كما استقبلت لاجئين من دول أخرى، وهذا يعكس كرم أهلها وروحهم الإنسانية. شاهدنا نماذج إيجابية للغاية في كيفية التعامل مع هذه التحديات».

وخلال الزيارة، التقى الوفد الألماني عدداً من النازحين واستمع إلى رواياتهم واحتياجاتهم، كما عقد لقاءات مع ممثلي الأمم المتحدة والسلطات المحلية، وهو ما عزز قناعة السفير بأن التنسيق والتواصل المستمر بين مختلف الأطراف يظل العامل الأكثر أهمية في مواجهة التحديات الإنسانية المعقدة.

غير أن أكثر محطات الزيارة خصوصية ربما كانت اللقاء مع مشايخ القبائل في مأرب، ففي بلد غالباً ما تُقرأ القبيلة من زاوية أمنية أو تقليدية، خرج شنايدر بانطباع مختلف؛ إذ رأى في القبائل اليمنية شبكة اجتماعية واسعة تلعب دوراً يتجاوز الأعراف المحلية إلى الإسهام في الحفاظ على تماسك المجتمع والاستقرار، ومستقبل البلاد كلها.

ويقول: «كان الجلوس مع مشايخ القبائل تجربة مهمة للغاية، لمست أنهم لا يؤدون دوراً اجتماعياً فقط؛ بل يمتلكون أيضاً وعياً سياسياً واضحاً بالتحديات التي تواجه اليمن».

ويضيف أن النقاشات التي دارت خلال اللقاء كشفت عن رؤى وأفكار مهمة بشأن مستقبل البلاد، مؤكداً أن القبائل ستكون طرفاً أساسياً في أي عملية سياسية جادة تسعى إلى تحقيق السلام.

ويتابع: «أعتقد أن القبائل ستؤدي دوراً محورياً في أي مسار يقود إلى السلام في اليمن. خرجت من هذه الزيارة بقناعة راسخة بأنها تمثل ثروة وطنية حقيقية، وعنصراً مهماً يمكن البناء عليه لتعزيز الاستقرار».

وبين الرسائل السياسية والإنسانية، ظل الانطباع الشخصي الأكثر حضوراً لدى السفير الألماني مرتبطاً بأهالي مأرب أنفسهم، فعلى الرغم من سنوات الحرب والضغوط الاقتصادية وأعباء النزوح، يقول إنه وجد في كل مكان روحاً متفائلة ونظرة إيجابية إلى المستقبل.

ويضيف: «رأيت في كل مكان بمأرب ابتسامة رغم الظروف الصعبة التي يعيشها السكان. هذه الروح المتفائلة وحفاوة الاستقبال جعلتا من الزيارة تجربة مهمة جداً بالنسبة لي».

ويؤكد أنه سيحمل هذه الصورة معه إلى أولاده وعائلته، وإلى وزارته في برلين، وشركائه في الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية؛ لأن ما شاهده في مأرب -حسب تعبيره- يقدم درساً مهماً في القدرة على الصمود وتجاوز الأزمات.

في نهاية المقابلة، طلبت من السفير تلخيص مأرب في ثلاث كلمات فقط. لم يتردد كثيراً قبل أن يبتسم ويجيب: «الابتسامة... والقهوة... والترحيب».

ثلاث كلمات بدت كأنها تختصر مدينة تقف على تخوم الحرب، ولكنها لا تزال تصر على استقبال ضيوفها بابتسامة، وتقديم القهوة، والإيمان بأن مستقبل اليمن يمكن أن يكون أفضل.


بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)
قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)
TT

بعد جولة «الأوراق البيضاء»... «حماس» تستأنف انتخاب رئيسها

قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)
قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لحماس)

استأنفت حركة «حماس»، انتخابات رئيس مكتبها السياسي (أعلى مستوى قيادي) في جولة للإعادة، بعدما فشلت جولة أولى، الشهر الماضي، في تحديد هوية الرئيس الجديد للحركة، ولجوء عدد من المصوتين إلى تقديم «أوراق بيضاء» خالية من اسم مرشح للاقتراع؛ ما تسبب بتأجيل عملية الحسم.

ويتنافس على رئاسة المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل الذي كان يقود المكتب سابقاً، وخليل الحية الذي كان رئيساً لمكتبها في غزة ويقود حالياً فريقها المفاوض في محادثات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع.

وحسب مصدرين من «حماس» في غزة تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، فإن التصويت في جولة الإعادة بدأ على مستوى القطاع، وقال أحد المصدرين إن «الشخصيات التي يحق لها التصويت تشارك عبر طريقة أكثر سرية وتعقيداً بسبب الظروف الأمنية الصعبة، وعمليات الاغتيال المتواصلة».

وتواجه «حماس» أزمة هي الأعنف منذ تأسيسها عام 1987؛ إذ طالت الاستهدافات الإسرائيلية التي بدأت بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، مختلف أجنحتها ومستوياتها؛ ما تسبب في أزمات تنظيمية ومالية عدة.

وتحدث المصدران بشكل منفصل عن أن التصويت يجري عبر «مغلفات أو خطابات مغلقة تصل للشخصيات التي يحق لها الانتخاب» وبعد اختيارهم مرشحهم، يعاد إرسالها وفق «ضوابط أمنية تتخذها الحركة للحفاظ على أمن تلك الشخصيات أو الجهات القائمة على عملية الانتخابات».

ويجري التصويت لاختيار رئيس المكتب السياسي عبر ما يسمى «مجلس الشورى» المكون من 71 عضواً من أقاليم عمل الحركة الثلاثة (غزة، والضفة الغربية، والخارج)، حيث كان عددهم 50 عضواً قبل نحو 10 سنوات، ثم زاد عددهم لاحقاً مع تغيير أنظمة ولوائح الحركة الداخلية.

وأكد المصدران، أن الانتخابات من المفترض أن تجري في الضفة الغربية، والخارج خلال الفترة الحالية، لكنهما لم يقدما تأكيدات على بدء الإجراءات بالفعل في الموقعين.

«جولة أكثر سرية»

وفي السادس عشر من مايو (أيار) الماضي، أعلنت «حماس» عن تعذر حسم الجولة الأولى من انتخابات رئيس للمكتب السياسي، مبينةً أنه ستجري جولة ثانية في وقت لاحق وفق لوائح الحركة وأنظمتها.

وكان من المفترض وفق لوائح «حماس» أن تجري الجولة الثانية في غضون 20 يوماً، إلا أن مصادر في الحركة شرحت أن الظروف الأمنية والسياسية وما جرى من اغتيالات بغزة، واتصالات ولقاءات قيادات الحركة بالخارج مع الوسطاء وغيرهم، أجَّلت العملية التي «تجري بسرية أكثر من الأولى؛ منعاً لأي ثغرات أمنية أو تسريبات إعلامية».

طفل فلسطيني يقف خلفه مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» أثناء بحثهم عن جثث رهائن إسرائيليين في مخيم جباليا شمال غزة ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

وتوافقت قيادة «حماس» على إجراء انتخابات لرئيس مكتبها فقط إلى حين إجراء انتخابات شاملة للمكتب السياسي ومجلس الشورى والهيئات الإدارية المختلفة بداية العام المقبل.

واغتالت إسرائيل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» الراحل، إسماعيل هنية في طهران في يوليو (تموز) عام 2024، وخلفه يحيى السنوار في غزة في أكتوبر من العام نفسه.

ومنذ عام ونصف العام تقريباً يُدير «مجلس قيادي» شؤون «حماس»، وفي مطلع العام الحالي بدأ حراك جديد لانتخاب رئيس جديد يقود الحركة في الفترة المتبقية من دورة المكتب السياسي الحالي (كانت تنتهي عام 2025، وتم تمديدها عاماً إضافياً)، إلى حين إجراء انتخابات عامة نهاية العام الحالي أو بداية العام المقبل.

وكانت مصادر كشفت لـ«الشرق الأوسط»، في الحادي والعشرين من مايو (أيار) الماضي، عن أن هناك أشخاصاً استخدموا الورقة البيضاء في عملية التصويت تعبيراً عن عدم الانحياز لأي من المتنافسين، وهما رئيس مكتب «حماس» في غزة خليل الحية، ونظيره بالخارج خالد مشعل، وذلك في خطوة تحصل لأول مرة بهذا الشكل على الأقل على مستوى رئاسة المكتب السياسي.

ورأت تلك المصادر حينها أن ظاهرة «الأوراق البيضاء» تشير إلى أن «هناك حالة من عدم الرضا تجاه الشخصيتين المتنافسين، وربما حالة احتجاجية على سياسات الحركة إزاء بعض الملفات ومحاولة الدفع باتجاه قيادة شبابية». بينما قالت أخرى إن «هذا ليس بالضرورة احتجاجاً على المتنافسين، بقدر ما يشير إلى أن هناك فعلياً حالة من الرفض لبعض السياسات المتبعة بشأن ملفات عدة، أو الرغبة في إرجاء فكرة انتخاب رئيس مؤقت، والانتظار حتى إجراء انتخابات شاملة، واستمرار عمل المجلس القيادي الحالي».