اللعب على رغبات السوريين

اللعب على رغبات السوريين

الجمعة - 10 صفر 1443 هـ - 17 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [15634]
فايز سارة
كاتب وصحافيّ سوريّ

تعصف باللاجئين السوريين رياح العودة إلى سوريا، ويتفاعل بعضهم مع تلك الرياح، ويحوّلها إلى نسائم ناعمة تُنعش الأرواح، وتداعب الآمال بنهاية بعض من مأساة نزوحهم ومعاناتهم، بل إن تلك النسائم تتسرب إلى أقارب اللاجئين الذين ما زالوا في سوريا على أمل عودة الآباء والأبناء والإخوة والأخوات، ولم الشمل بعد أن أعياهم شتات وتشرد طوال عشر سنوات.
رياح عودة السوريين تتوالى من منابع ثلاثة مختلفة ومتباعدة؛ أولها ما كانت أطلقته روسيا قبل سنوات حول عودة اللاجئين إلى بلدهم بوصفها خطوة في سياق حل تسعى إليه روسيا، تفتح فيه بوابة تحوُّل سياسي في الموقف من حل القضية السورية، يجعل العالم يقبل تمويل إعادة إعمار سوريا مع بقاء نظام الأسد، وقد عارض الأخير الفكرة لأن استراتيجيته في التعامل مع السوريين، تقوم على طرد وإبعاد ما استطاع منهم خارج البلاد خصوصاً المعارضين وحواضنهم الاجتماعية، التي يشكل اللاجئون قسماً كبيراً منهم، وصولاً إلى تكريس «المجتمع المتجانس» الذي قال رئيس النظام إنه يسعى إليه حلاً في سوريا، لكنه وتحت الضغط الروسي صار قابلاً للفكرة، ويردد بين وقت وآخر فكرة عودة السوريين من دون أن يتخذ أي إجراءات سياسية أو عملية، تؤكد جديته في الموضوع.
الطرف الثاني الذي يردد فكرة عودة اللاجئين، تتقدمه بلدان الجوار التي استوعبت أكبر عدد منهم، والمعنيّ بها تركيا ولبنان والأردن، حيث يقترب عددهم فيها من ستة ملايين. ورغم اختلاف ظروف وأوضاع البلدان الثلاثة وتمايزها السياسي والاقتصادي - الاجتماعي والثقافي، فقد تزايدت فيها الدعوات لعودة السوريين إلى بلادهم، بل إن الدعوات ترافقت مع نزعات عنصرية، شملت الرأي العام وجماعات سياسية، وتزايدت في الأعوام الأخيرة، ولم تكن بعض الأجهزة خاصة في لبنان بعيدة عن تلك الممارسات، رغم أن الموقف الرسمي في البلدان الثلاثة، لا يتخذ مواقف سلبية معلَنة إزاء اللاجئين، ولا يرفع شعارات عودتهم إلى بلادهم في الظروف الراهنة، لكن البلدان الثلاثة في الواقع، دفعت آلافاً سواء إلى مناطق النظام، أو إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في شمال غربي سوريا.
الطرف الثالث الذي يطلق دعوات عودة اللاجئين إلى بلادهم، تمثّله غالبية البلدان الأوروبية، التي هزّت قضية اللاجئين توافقات اتحادها الأوروبي، وفتحت حيزاً لاختلاف السياسات بين دولة وأخرى. ورغم أن بلداناً مثل ألمانيا رحّبت باللاجئين السوريين، وعدّتهم بين أفضل موجات المهاجرين إليها نتيجة انخراطهم العميق في سياسة الاندماج (لغةً وتعليماً وعملاً وضرائب)، فإنها تتابع سياسات ملتبسة سواء في إغراء لاجئين بمساعدات مقابل عودتهم إلى بلادهم، أو في تصعيب ظروف الإقامة والجنسية، وهي سياسات تقارب السياسة البريطانية رغم قلة عدد اللاجئين في الأخيرة، وقد ذهبت بعض الدول الأوروبية أبعد مما سبق، إذ رأت بعضها أن هناك مناطق آمنة تحت سيطرة نظام الأسد، وأنه ينبغي ترحيل اللاجئين إليها، وهذا موقف الدنمارك، مما دفع بلداناً أوروبية أخرى للبحث في الموضوع، وقد تتبناه في وقت لاحق سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أو على مستوى كل دولة بصورة منفردة.
ومما لا شك فيه أن موجة الضخ الإعلامي في موضوع عودة اللاجئين، مترافقة مع أجواء اليأس والإحباط التي تسيطر عليهم نتيجة الضغوط، وعدم استقرارهم وسوء أحوالهم المعيشية، ووسط غياب أي أفق لحل قضيتهم، فإن بعضهم أخذ يفكر في العودة إلى سوريا، وبعضاً آخر قام بذلك فعلاً، وقد اطّلعتُ شخصياً على أكثر من عشرين حالة لأفراد وعائلات عادوا إلى مناطق سيطرة النظام عبر لبنان وإلى مناطق السيطرة التركية في شمال غربي سوريا، وفي الحالتين كانت النتائج سيئة.
ففي مناطق الشمال، كان أغلب العائدين ممن طحنتهم ظروف الحياة الصعبة في تركيا وأبرزها ظروف الإقامة والممارسات العنصرية والتنمر من قبل البعض، ومثلها مشكلات العمل والأجور وصعوبات الاندماج، وعمليات ترحيل قسري طالت الشباب، وقد وجد العائدون أنفسهم وسط بيئة من الفوضى وصعوبات العيش، تتداخل فيها السلطات وتتنازع وسط أجواء من التشدد تفرضها جماعات متطرفة تتقدمها هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ التابعة لها، والأهم مما سبق، أن العائدين وجدوا أنفسهم مجدداً تحت خطر الموت نتيجة الهجمات التي تتابعها قوات نظام الأسد على تلك المناطق، خصوصاً هجمات الطائرات بالبراميل المتفجرة والصواريخ.
وكانت أوضاع العائدين من لبنان أشد سوءاً من أقرانهم العائدين من تركيا من حيث أسباب العودة، خصوصاً بسبب الممارسات العنصرية وسوء الأوضاع المعيشية، إضافةً إلى ضغوط ميليشيات «حزب الله» والبعض في قوى الأمن اللبناني لدفع اللاجئين لعودة إجبارية إلى سوريا. والأكثر قسوة في مجريات العودة، كانت إجراءات وسلوكيات الحواجز الأمنية والعسكرية على الطريق، وخضوع العائدين للتفتيش والتفييش، واعتقال بعضهم على الحواجز وسوقهم إلى الفروع الأمنية، ومنع أغلب العائدين من الوصول إلى مناطق إقامتهم الأساسية وبخاصة في ريف دمشق.
ولا يقتصر السوء على ظروف العودة ومسارها، بل يمتد إلى بيئتها العامة، حيث الأوضاع في مناطق سيطرة النظام في انهيار شامل من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.
لقد دقق تقرير صدر مؤخراً عن منظمة العفو الدولية تحت عنوان «أنت ذاهب إلى موتك» في الانتهاكات التي عانى منها اللاجئون بعد عودتهم إلى المناطق التي يسيطر عليها نظام الأسد، وأجملها بالقول إنهم كانوا عُرضة للاعتقال والاختفاء القسري والعنف الجنسي والتعذيب وصولاً إلى الموت تحت التعذيب.
لقد توجت منظمة العفو الدولية تقريرها بخلاصة قالت إن سوريا غير آمنة، وهي لن تكون آمنة ما دام نظام الأسد وفروعه الأمنية حاضرين. وأوصت بألا تعيد دول العالم أي لاجئ إلى سوريا. والمنظمة في تقريرها وفي خلاصاتها، لا تكشف فقط زيف الكلام وخديعته عن عودة اللاجئين إلى بلدهم في الظروف الراهنة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو