الأمم المتحدة... وجمعية عامة غير اعتيادية

الأمم المتحدة... وجمعية عامة غير اعتيادية

الأربعاء - 8 صفر 1443 هـ - 15 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [15632]
إميل أمين
- كاتب مصري

على مرمى أيام قليلة تنطلق أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة والسبعين، التي تأتي في توقيت حرج وحساس على الصعيد العالمي، سواء كان الأمر متعلقاً بالبشر أم بالمناخ، ناهيك عن الجائحة التي ألمت بالإنسانية، وما من أحد قادر على أن يجزم بمآلاتها في المستقبل المنظور.
التساؤل الأول الذي يعلو على أي نقاش، هل الأمم المتحدة قادرة على تغيير مسارات ومساقات عالم مختل يعاني اضطرابات عميقة، تكاد تشمل القوى الكبرى المعروفة بالأقطاب الدولية، أو بغيرها من الجماعات البشرية الصاعدة في مدارات التنمية والتقدم، عطفاً على دول العالم الثالث والمعذبين في الأرض؟
قد يبدو السؤال منطقياً أول الحال، لكن الغوص في المشهد الأممي، يخلف انطباعاً بأنه يجب أن تكون هناك طاولة للنقاش الإنساني على الأقل، هناك حيث تطرح القضايا المصيرية الخاصة بحاضرات أيامنا، حتى إن كانت أقرب إلى فكرة «رواق الأمم »، في الأزمنة الغابرة.
خسرت المنظمة الأممية العام الماضي، فرصة تاريخية، فقد كان من المفترض أن يحتفل العالم باليوبيل الماسي لتأسيسها، ذاك الذي جرى عام 1945، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، على أمل حفظ السلام ومنع الخصام المؤدي إلى الحروب الكونية.
هذا العام لا تبدو دولة المقر، الولايات المتحدة، راغبة في حضور وفود الدول بكامل عددها، إذ لا تزال المخاوف من تحورات فيروس (كوفيد - 19) تزعج الجميع، ومن هذا المنطلق، وجهت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، رسالة إلى نظرائها نصحتهم فيها بالنظر في إمكانية المشاركة في أسبوع الاجتماعات رفيعة المستوى (21 - 27 سبتمبر/ أيلول)، عبر نظام أونلاين، تحسباً من تحول المناقشات القادمة إلى مصدر لانتشار العدوى.
على أنه رغم التوجهات الأميركية، ولحساسية اللحظة الدولية، فقد أعرب نحو 83 رئيس دولة، و43 رئيس حكومة، و23 وزير خارجية، عن نيتهم حضور جلسات الجمعية العامة، فيما أكد ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أن مقر المنظمة اتخذ التدابير الاحترازية اللازمة لمحاربة الفيروس الشائع.
تبدو الجمعية العامة هذه السنة غير اعتيادية لأسباب تتسع على المسطح المتاح للكتابة، غير أنه يمكننا أن نوجز بعضاً من أهم النقاط لعالمنا الملتهب بشراً وحجراً.
بداية تجيء أعمال هذه الدورة قبل أسابيع قليلة من قمة غلاسكو للمناخ المقرر عقدها في اسكوتلندا في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والتي يكاد مستقبل الكوكب الأزرق يتعلق بها، وخصوصاً في ظل التطورات والتغيرات المناخية التي تهدد المسكونة وساكنيها.
في هذا الإطار دعا نحو خمسين مسؤولاً دولياً يشملهم ما يعرف بـ«المركز العالمي للتكيف»، وهو منظمة دولية مكرسة لتسريع تكيف العالم مع آثار تغير المناخ، ويرأسها الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون، إلى الإسراع بتقديم الخطط البديلة المتسقة مع الاحتباس الحراري، والتصحر، والفيضانات والحرائق، وكافة صنوف الانتحار البشري الذاتي إن جاز التعبير.
صرخة جماعة بان كي مون، تكاد تكون صيحة يأس من أن تقوم الجماعة الدولية، لا سيما الأقطاب الكبرى، باتخاذ خطوات عاجلة وفعالة لتجنب المصير المأساوي، هذا إذا لم يكن الوقت قد فات، وبات مصير الكرة الأرضية إلى زوال، وعلى غير المصدق أن ينتظر حدوث العاصفة الشمسية التي يتوقعها العلماء في القريب العاجل، والكفيلة بأن ترجع البشرية بضع مئات من السنين إلى الوراء.
الملفات الدولية المحتقنة على عتبات جمعية هذا العام عديدة وبالغة الخطورة، وقد جاء زلزال انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان ليطرح علامات استفهام حول قضية مواجهة الإرهاب حول العالم، وهل بعد عقدين من المواجهات القائمة على القوة الخشنة، سوف يتحتم على العالم التفكير في تدابير مختلفة، لملاقاة الخطر القائم والقادم؟
في الإطار نفسه يبدو عالمنا المعاصر في لحظة ذروة بالنسبة لعودة سباق التسلح، لحظة تفوق ما جرت به المقادير في زمن الحرب الباردة، لا سيما مع إمكانية بل واحتمالية دخول لاعبين جدد إلى النادي النووي، ومن غير مقدرة على قمع أو منع أحد، ما يجعل من مسألة سلام العالم وأمنه من قصص الأولين.
أما عن العلاقات الدولية فيكاد الحابل يختلط بالنابل، والبداية من عند المشهد الأميركي – الآسيوي بنوع خاص، بعد أن عادت حزازات الصدور تطفو على العلن لتضحى أقرب ما تكون إلى العداء جهراً، من واشنطن إلى بكين، ومن موسكو إلى واشنطن.
حتى علاقات الناتو التاريخية بين جانبي الأطلسي، تبدو متصدعة ومتشققة، والحديث الآن عن قوة أوروبية مسلحة بعيدة عن مقدرات الحلف عسكرياً.
السؤال المهم قبل الانصراف: «هل سنذهب كدول عربية إلى الجمعية القادمة ولدينا رؤية جمعية موحدة وأهداف واضحة لتجنب تقلبات المشهد الشطرنجي الإدراكي العالمي؟».
الجواب مفتوح للاجتهاد الفكري في الوقت القيم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو