أفغانستان في كهوف الجغرافيا ودم التاريخ

أفغانستان في كهوف الجغرافيا ودم التاريخ

السبت - 13 محرم 1443 هـ - 21 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15607]
عبد الرحمن شلقم
وزير خارجية ليبيا ومندوبها الأسبق لدى الأمم المتحدة

بلاد تكونت فيها تضاريس الجغرافيا مع جيولوجيا البشر. الصخور والكهوف ورؤوس الجبال، هي أجساد للأرض والناس. أفغانستان لها تاريخ كُتب على ألواح الزمن الصخرية بالدم والصراع الذي جعل من العصر الحجري مواسمَ وفصولاً تدور على الأرض وفي الرؤوس، وتحرك آلة القتال على امتداد مساحة الأرض ودوامة الزمان. بلد خراسان وهو الاسم القديم لأرض أفغانستان، فتحها المسلمون سنة 624 في معركة نهاوند بين المسلمين والفرس. بعد فتحها قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب «لوددتُ أني لم أكن بعثتُ إلى خراسان جنداً، ولوددتُ أنه كان بيننا وبينها بحرٌ من النار».
لماذا صرح أمير المؤمنين البعيد عن أرض خراسان بهذا القول الذي حمل الكثير من المضامين العسكرية والسياسية مبكراً، هل وصلته معلومات استخباراتية كما نقول اليوم عن تلك البلاد وتكوينها الاجتماعي ذي النفسية القتالية الشرسة، أم علم بتكوين تلك البلاد ممن قدموا منها وأخبروه بطبيعة أهلها؟ تطورات ما بعد الفتح أكدت قول عمر بن الخطاب، فلم يستسلم الأفغان للفاتحين المسلمين، وعمّت المقاومة أنحاء البلاد واستعاد الأفغان السيطرة على بلادهم وكبّدوا المسلمين خسائر كبيرة. استعاد المسلمون السيطرة ولكن المواجهات لم تنتهِ بين الطرفين. عندما اعتنقت البلاد الإسلام قام أهلها بتحطيم الأوثان وقاموا بنشر الإسلام في بلاد الهند وما وراء النهر وتمسكوا بالدين الإسلامي بقوة وتفقهوا فيه. أفغانستان بلاد حبيسة لا تطل على بحر، ومساحتها 650 ألف كم مربع تغطيها جبال شاهقة شديدة الارتفاع تفصل مناطقها المتباعدة، والقبيلة هي المكون الأساسي للنسيج الاجتماعي وتصنع منظومة قيمه وتحدد نمط إدارة شؤونه العامة، وكذلك نشاطه الاقتصادي وترسم العلاقة بين الكيانات الاجتماعية في البلاد. الجغرافيا كانت الديكتاتور الطاغية الذي فرض مسيرة ومصير البلاد عبر التاريخ القديم والحديث. في عام 1839 كانت بريطانيا تحتل الهند درة تاجها الإمبراطوري، وكان هاجسها الذي لا يغيب هو طمع القيصر الروسي في آسيا الوسطى، وكانت أفغانستان هي البوابة الطبيعية لروسيا إلى الهند؛ ولذلك قررت بريطانيا احتلال أفغانستان لتكون الخط الأمامي للدفاع عن الهند.
كان حاكم أفغانستان آنذاك دوست محمد الذي قاد انقلاباً شعبياً قبلياً على الملك «شوجا» الذي هرب إلى الهند. احتلت بريطانيا أفغانستان وأحضرت الملك «شوجا» وأعادت تنصيبه ملكاً على البلاد، ولكن القبائل الأفغانية ثارت على الاحتلال البريطاني وأرغمته على الانسحاب سنة 1842، وكان شعار الثورة الأفغانية ضد الاحتلال البريطاني، «الجهاد في سبيل الله». هرب الملك «شوجا» مع القوات البريطانية إلى الهند وأصبح منفياً. الإمبراطوريات قدر أفغانستان يدخلونها عنوة وبالقوة لحسابات يكتبها صراع القوى الكبيرة، لكن الجغرافيا التي جعلت من البلاد الحبيسة بوابة تُفتح بقوة سلاح القادم المحتل وتُغلق بقوة الجهاد الذي تُشعله قوة الإسلام وترغم الحكام الذين يحضرهم المحتل على الهرب إذا قدِّر لهم النجاة من القتل. كل شيء يغيب عن أفغانستان سوى الصراع الدامي وزحف القوى الخارجية وإن تعددت الأسباب.
في نوفمبر (تشرين الثاني) 1933 نُصِّب محمد ظاهر شاه ملكاً على أفغانستان بعد اغتيال والده، وفي عهده الذي استمر أربعين عاماً، شهدت البلاد تطوراً غير مسبوق في جميع المجالات؛ فبنى المدارس والمطارات وشقَّ الطرق، وأصدر دستوراً فتح الباب للحرية السياسية والصحافية، وعندما كان الملك في رحلة للعلاج قام ابن عمه محمد داود الذي كان رئيساً للوزراء بانقلاب عليه، وتقارب داود مع الاتحاد السوفياتي وتعاون مع الشيوعيين الأفغان بعد أن رفضت الولايات المتحدة الأميركية تقديم المساعدات العسكرية والمالية له.
أفغانستان التي حركت الهواجس البريطانية قديماً من نوايا القيصر الروسي نحو الهند، عادت لتحرك الأطماع السوفياتية في آسيا الوسطى، ففتحت موسكو معسكراتها لتدريب الضباط الأفغان وقدمت لهم جرعات آيديولوجية ماركسية وساهموا بعد عودتهم في نشر الفكر الشيوعي بين قطاعات الجيش الأفغاني. استثمر حزب الشعب الديمقراطي الشيوعي الحرية السياسية التي وفّرها دستور 1964، بدأ في تمكين كوادره في الجيش ومفاصل الدولة، وحصل على دعم سياسي ومادي من موسكو واتسع التغلغل الشيوعي السوفياتي في أفغانستان، وأدى ذلك إلى رد فعل عنيف من قطاعات كبيرة من الشعب الأفغاني المسلم. الخلاف دبَّ سريعاً بين قادة الحزب الشيوعي الأفغاني خاصة قطبيه محمد نوري تراقي وبابراك كارمل. سنة 1978 قام الشيوعيون بانقلاب بدعم مباشر من موسكو وقتلوا الرئيس محمد داود وعائلته، وتم تعيين محمد تراقي رئيساً للوزراء وبابراك كارمل نائباً له وحفيظ الله أمين نائباً ثانياً، وفي سنة 1979 قام حفيظ الله أمين بانقلاب على تراقي وقتله، وبرزت مقاومة إسلامية قوية بقيادة الحزب الإسلامي الذي تزعمه قلب الدين حكمتيار. لم ينتظر بابراك كارمل وقام بانقلاب وقتل حفيظ الله أمين. شرع الاتحاد السوفياتي في اقتحام كهف الدم الأفغاني ودفع بقواته إلى أرض الصخور والبشر الذي امتهن القتل والقتال. سقط آلاف القتلى من الجيش السوفياتي وانتشر الغضب في روسيا بسبب الخسائر الهائلة؛ وكان ذلك من العوامل التي ساهمت في انهيار الكيان السوفياتي.
الحرب توأم أفغانستان لا تغيب إلا لتكون في كل وقت ومكان. بعد سيطرة حركة «طالبان» على الحكم في البلاد وإقامة إمارتها الإسلامية، فتحت الأبواب للإسلاميين الذين تدفقوا عليها من كل حدب، وكان وصول أسامة بن لادن القداحة التي فجّرت ما كان هامداً. رُوعت الولايات المتحدة الأميركية بتفجير برجي نيويورك، وأعلن بن لادن أنه هو من أمر بذلك. طلبت الإدارة الأميركية من «طالبان» تسليمها بن لادن، لكنها رفضت وغزت أميركا أفغانستان لتبقى قواتها على الأرض ومعها جيوش من إحدى وخمسين دولة لعقدين من الزمن وتقرر الانسحاب منها أخيراً.
أفغانستان من أكثر دول العالم فقراً وفيها أعلى نسبة أمية، ولا تملك مصادر مهمة للثروة باستثناء مزارع القنب الهندي الذي يجعل من البلاد أكبر منتج لمخدر الحشيش في العالم. في هذه البلاد العجيبة لا يغيب التاريخ إلا لكي يعود. أخيراً هرب رئيسها أشرف غني كما هرب قبله ملوك وزعماء أو لاقوا مصارعهم في كل موقعة في حروب الصراع على السلطة. عادت «طالبان» إلى السلطة ومعها مئات الأسئلة التي تكمن إجاباتها بجوف الغيب وأساطير وأسرار التكوين الجغرافي والبشري لأفغانستان. القتل كان الحادي لقافلة بلاد أعدم فيها عشرات الملوك والأمراء والرؤساء والزعماء على طول تاريخها ونعلم أسماءهم، لكننا لا نعرف أسماء مئات الآلاف الذين سالت دماؤهم عبر تاريخ طويل على جغرافيا لم يرحمها الزمن.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو