شرع المصرف المركزي الأوروبي هذا الأسبوع في شراء سندات، في إطار برنامج جديد للتخفيف الكمي. وأعلن رئيسه ماريو دراغي، مؤخرا أن تعافيا قويا لمنطقة اليورو قد بدأ بالفعل حتى قبل البدء في تنفيذ سياسة التخفيف الكمي. وأضاف أن مجرد الإعلان في يناير (كانون الثاني) الماضي عن النية في تطبيق التخفيف الكمي كان كافيا لرفع الروح المعنوية ودفع عجلة الاقتصاد.
في الواقع، باستطاعة دراغي التباهي بكونه أهم صانع سياسات في أوروبا، وإذا كنت من المؤمنين بالديمقراطية، فإن هذا الوضع يمثل حتما مشكلة من وجهة نظرك. يذكر أنه رغم تمتع هيئة الاحتياطي الفيدرالي الأميركية بقدر كبير من الاستقلال العملي، فإنها تخضع للمساءلة أمام الناخبين الأميركيين، من خلال التزامها بعرض تقارير على الكونغرس. والأهم من ذلك، أنها تستشعر ويتحتم عليها الاستجابة لضغط الرأي العام الأميركي. أما المسافة الفاصلة بين مواطني دول اليورو والمصرف المركزي الأوروبي فأكبر من ذلك بكثير.
ويتسم المصرف بطابع أوروبي قوي، ويسلط الضوء على ما بات يعرف باسم «العجز الديمقراطي» في أوروبا. وينذر هذا الغياب الواسع للمساءلة الديمقراطية، علاوة على الضغوط الاقتصادية التي يفرضها نظام اليورو، بإمكانية أن يسفر ذلك نهاية الأمر عن تدمير المشروع الأوروبي بأكمله.
ولا يعد العجز الديمقراطي نتاجا جانبيا غير مقصود للتكامل الأوروبي، ذلك أنه منذ البداية دفعت النخب السياسية الأوروبية طموحاتها المتعلقة بالاتحاد الأوروبي قدما في وجه شكوك شعبية، إن لم تكن معارضة صريحة. ورغم استمرار تقديم مؤشرات توحي باحترام الشرعية الديمقراطية، فإن الهدف المستمر تمثل في اقتطاع صنع السياسات من المجال السياسي. وقد جرى النظر إلى هذا القمع للديمقراطية بكونه أمرا جيدا في حد ذاته، باعتبار أنه كلما انخفض عدد الناخبين المشاركين، جاءت النتائج أفضل.
من حيث المبدأ، بدت هذه الفكرة قابلة للدفاع عنها. إلا أنه فيما يخص اليورو تحديدا - أكثر مشروعات الاتحاد الأوروبي طموحا وأقلها أهمية - لم تأت النتائج مرضية؛ حيث جاءت العملة الأوروبية الموحدة بمثابة كارثة، وتسببت في تعميق وإطالة أمد الركود. وتشير توقعات المصرف المركزي الأوروبي الجديدة المتفائلة لإمكانية تحقيق نمو بنسبة 1.5 في المائة عام 2015، وهو مستوى جيد قياسا بالسنوات السبع الماضية، لكن ليس بالقياس بأي معيار آخر. حتى بحلول عام 2017، من المتوقع أن تأتي معدلات البطالة بمنطقة اليورو أقل قليلا من 10 في المائة، وداخل بعض أكثر الدول تضررا، سيصل المعدل لضعف ذلك.
وعلى ما يبدو، فإن قدرة الأوروبيين على التعايش مع هذا العجز الديمقراطي تتراجع، ولا يعد فشل مشروع اليورو السبب الوحيد وراء ذلك، وإنما تتصاعد مشاعر الغضب، لأنه اتضح أن العجز أكبر مما توقعه صانعو السياسات.
في البداية، كان المقصود من وراء الاتحاد الأوروبي خلق كيان خاص ومميز، ودارت الفكرة حول جعله على امتداد المستقبل المنظور كيانا يقف في مرحلة وسطى بين الاتحاد الفيدرالي على غرار الولايات المتحدة، واتحاد كونفدرالي بين دول ذات سيادة كاملة. ودار التصور حول وجود مستوى أوروبي من الحكم، مع توافر سلطة تنفيذية قوية تتمثل في المفوضية الأوروبية. بالإضافة لذلك، يوجد برلمان أوروبي يعمل بالتناغم مع حكومات وطنية شبه سيادية بهدف توفير محاسبة ديمقراطية.
وعلى مرّ السنوات، جرى توسيع نطاق سلطات البرلمان قليلا، لكن مقارنة بغالبية المجالس التشريعية الوطنية، يظل هذا البرلمان ضئيل الأهمية ولا يبدي الناخبون اهتماما كبيرا حياله.
من حيث المبدأ، قد يتوقع المرء من انتخابات البرلمان الأوروبي أن توفر منصة للنقاش حول السياسات الاقتصادية لأوروبا، بينما تركز الانتخابات الوطنية اهتمامها على العلاقة الدستورية الآخذة في التطور بين الدول والاتحاد الأوروبي ككل.
بيد أنه حتى وقت قريب، كان العكس تماما هو ما يحدث، فبصورة عامة، ركزت الانتخابات التي تجرى على مستوى أوروبا على مستقبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وهي مسألة لا يملك البرلمان الأوروبي سلطة كبيرة عليها. في المقابل، دار الجدال حول السياسات الاقتصادية الأوروبية بصورة أساسية على المستوى الوطني، وهو صعيد يخضع فيه المشرعون لقيود أيضا.
وجاءت نتيجة ذلك بسيطة، وهي أن الاختيارات التي يجري التوصل إليها عبر القناتين أصبحت غير ذات أهمية تذكر على نحو متزايد بالنسبة للنتائج التي يفرزها النظام ككل، ولم تعد اختيارات وميول المواطنين تشكل أي قيد يذكر بالنسبة لصانعي السياسات. وبذلك أصبح من الممكن للنخب السياسية اتخاذ القرارات بحرية.
وعليه، فإن هذه الفجوة الديمقراطية قائمة على مستويين؛ الأوروبي والوطني، ولا يتعلق الأمر فحسب بغياب المساءلة داخل الاتحاد الأوروبي، وإنما أيضا بسماح البرلمانات الوطنية بتضاؤل نفوذها بإغفال المسائل الدستورية والتركيز بنشاط أكبر على مجالات تعرضت سلطاتها فيها للتقييد. إن إصلاح منظومة العملة الموحدة يتطلب مشاركة أوروبية أكبر؛ بمعنى توسيع نطاق طبقة الحكم الأوروبية. ومن دون إعادة التفكير بعمق في كيفية تحقيق ذلك، فإن التوسع على الصعيد الأوروبي سيفاقم الفجوة الأوروبية، وهنا يكمن التناقض القاتل الذي تعجز الحكومات الأوروبية عن مواجهته، ناهيك عن تسويته.
وإذا كنت ترغب في معرفة رأيي، فأعتقد أن احتفال دراغي جاء سابقا لأوانه بعض الشيء.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
9:13 دقيقه
TT
اختيار أوروبا: اليورو أم الديمقراطية؟
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
