«حُراس بوابات» الأخبار الجُدد

«حُراس بوابات» الأخبار الجُدد

الاثنين - 1 محرم 1443 هـ - 09 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15595]

تفيد الأخبار الواردة بأن عدداً من مواقع «التواصل الاجتماعي» النافذة بات على وشك إطلاق خدمات إخبارية وتحليلية جديدة. وفي هذا الإطار، فإن تلك المواقع لن تكتفي بعرض المحتوى الإخباري الخاص بمؤسسات إعلامية معروفة من دون الوفاء بحقوقها كما تفعل راهناً، لكنها ستؤسس خدماتها الإخبارية الجديدة على قواعد قانونية، تتحول من خلالها إلى نوافذ عرض لمحتوى تعاقدت على بثه، وصاحبة حق في فرض بعض الالتزامات التحريرية في آن واحد.
وسيعني ذلك بكل بساطة أن تلك الوسائط التي لا تتوقف عن النمو والهيمنة، باتت في طريقها لكي تكون أهم وأكبر «حارس بوابة» إخبارية في العالم، الذي لا يخفت شره أفراده في التزوّد بالأخبار والبحث عنها عبر شبكاتها الضخمة والمتجددة.
كان عالم النفس الأميركي الجنسية، والنمساوي الأصل، كورت لوين هو من استطاع تطوير ما أصبح يُعرف بنظرية «حارس البوابة الإعلامية» (Gate Keeper) في منتصف القرن الفائت؛ وقد ظلت تلك النظرية تهيمن على قطاع كبير من الدراسات الإعلامية لأكثر من ستة عقود، بما امتلكته من اتساق واضح مع الطبيعة المؤسسية لعمل المنظمات الإخبارية من جانب، وسياسات التحكم المركزية في عالم صناعة الأخبار من جانب آخر.
وتتلخص النظرية التي طوّرها لوين في أن المادة الإعلامية تقطع رحلة طويلة حتى تصل إلى الجمهور، وأنها تمر في تلك الرحلة بنقاط رئيسية (بوابات)، يتم فيها اتخاذ قرارات بما يمر وما يُمنع، وما ينُشر بالحالة التي هو عليها، وما يخضع لتعديلات وحذف وإضافة، وما يُنشر منفرداً من دون مساندة، وما يُنشر في صدر الصفحات، ويُبث في مقدمة النشرات، وما يقبع في ذيل الصفحات، وقرب نهايات الفترات الإخبارية.
ورأى لوين أن جميع أصحاب القرار، في كل مفصل ونقطة رئيسية على مدى رحلة المادة الإعلامية هم من «حراس البوابات»؛ مؤكداً ضرورة الاهتمام بالأوضاع التي يعيشها هؤلاء والظروف التي تحكم عملهم، وتتحكم في قراراتهم؛ لأن تأثيرهم في الجمهور كبير إلى درجة لا يحدها حد.
يجب ألا نغفل عن السياق الزمني الذي حكم تطوير تلك النظرية؛ وهو كما نعلم كان سياقاً يشهد خلاله النظام السياسي العالمي انقساماً خطيراً بين اتجاهين وكتلتين ومدرستين؛ إحداهما مدرسة شمولية ازدهرت في الشرق ومناطق أخرى من العالم، وسلّمت مفاتيح «البوابات» لحراس تعهدوا بلجم تدفق الأخبار العارم وتوجيهه لخدمة مصالح الاشتراكية السوفياتية. بينما كانت المدرسة الثانية غربية في الأساس، وهي لم تسمح كثيراً بأن تُحجّم قيمها الليبرالية المنفتحة قدراتها على توجيه الرسائل من خلال ضبط أداء المؤسسات الإخبارية بما يخدم مصالحها.
الآن أصبحنا بانتظار تغير جوهري جديد، لأن معرض الأخبار الأهم والأكثر نفاذاً لن يكون خاضعاً لسيطرة «حراس البوابات» المتعددين، بل سيضحى مستودعاً جامعاً متجدداً، وسيكون مفتاحه فقط مع القائمين على تشغيل تلك الوسائط الجديدة العملاقة.
لقد عاينّا أنماط نمو تلك الوسائط، واختبرنا النجاحات القياسية لخدماتها الجديدة، وإذا تركنا الخطوط تسير وفق هذه الوتيرة، فالنتائج ستظهر في غضون أعوام قليلة، وهي سترسم ملامح جديدة لعالم الأخبار، وهو العالم الذي ستكون مفاتيحه مع بضع شركات لا يزيد عددها على عدد أصابع اليد الواحدة.
لا نحتاج إلى الكثير من البحث لكي ندرك أن نسبة استخدام مواقع «التواصل الاجتماعي» كمصدر للأخبار تزداد باطّراد في ظل سخونة الأوضاع المجتمعية وتلاحُق الأحداث من جهة، وفي حالة تعرض الإعلام النظامي (الذي تصنعه المؤسسات الإخبارية) لتضييق أو استهداف من السلطات من جهة أخرى.
أما العنصر الأكثر تأثيراً في تكريس النفوذ الإخباري لتلك الوسائط فيكمن ببساطة في تغير آليات التلقي نفسها. إذ تفيد البحوث الموثوقة أن نسب تعرض الشباب والأصغر سناً في المجتمعات المختلفة للأخبار من خلال منصات «السوشيال ميديا» تزيد بمتواليات هندسية، في وقت تُسحب فيه البُسُط من تحت أقدام المؤسسات الإخبارية العريقة.
سيكون المُنظّرون والأكاديميون معنيين بإعادة النظر في نظرية «حارس البوابة الإعلامية»؛ إذ يبدو أن تلك المهمة التي أُوكلت على مدى عقود طويلة لحزم من المسؤولين السياسيين والقادة الأمنيين ووزراء الإعلام ورؤساء التحرير على امتداد العالم في طريقها للتركز في أيدي بضعة أشخاص. أما الإرادة السياسية والمهنية الفاعلة في عالم الأخبار فستتحول من استحقاق للدولة الوطنية ومؤسساتها الإعلامية إلى غنيمة ستتركز في أيدي أصحاب شركات التكنولوجيا العملاقة، الذين سيضحون «حراس بوابات» أخبار العالم المتوجين.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو