هذه فرصتنا لإخراج المراهقين من فخ الهواتف الذكية

هذه فرصتنا لإخراج المراهقين من فخ الهواتف الذكية

الثلاثاء - 25 ذو الحجة 1442 هـ - 03 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15589]
جوناثان هادت وجان تونغ
- خدمة «نيويورك تايمز»

مع عودة الطلاب إلى المدارس في الأسابيع المقبلة، سيكون هناك اهتمام كبير بصحتهم النفسية. من المؤكد أنه سوف تعزى العديد من المشاكل إلى جائحة «كورونا»، ولكن في الواقع علينا أن ننظر إلى الوراء، إلى عام 2012، وذلك عندما بدأت معدلات اكتئاب المراهقين، والوحدة، وإيذاء النفس والانتحار بالارتفاع بشكل حاد. وبحلول عام 2019 أي قبل الوباء مباشرة، تضاعفت تقريباً معدلات الاكتئاب بين المراهقين.
عندما بدأنا لأول مرة نرى هذه الاتجاهات في عملنا كعلماء نفس يدرسون الجيل «زد» (أولئك الذين ولدوا بعد عام 1996)، كنا متحيرين. فقد كان الاقتصاد الأميركي يتحسن باطراد على مدى هذه السنوات، لذلك لم تكن المشاكل الاقتصادية الناجمة عن الركود العظيم في عام 2008 هي السبب. وكان من الصعب التفكير في أي حدث وطني آخر له صدى مؤثر منذ أوائل عام 2010 وطوال ذلك العقد.
ولقد شرع كل منا بالاشتباه في نفس الجناة: الهواتف الذكية بشكل عام ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص. ولقد اكتشف الدكتور جان أن عام 2012 كان العام الأول الذي يمتلك فيه أغلب الأميركيين هاتفاً ذكياً، وبحلول عام 2015، كان ثلثا المراهقين الأميركيين قد فعلوا ذلك أيضاً. وكانت هذه أيضاً الفترة التي انتقل فيها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من الاستخدام الاختياري إلى الاستخدام الشائع بين المراهقين.
علم الدكتور جوناثان، بينما كان يكتب مقالاً مع الخبير التكنولوجي توبياس روز ستوكويل، أن منصات وسائل التواصل الاجتماعي الرئيسية تغيرت بشكل عميق من عام 2009 إلى عام 2012، إذ في عام 2009 أضاف «فيسبوك» زر «الإعجاب»، وأضاف «تويتر» زر «إعادة التغريد»، وعلى مدى السنوات القليلة اللاحقة، تحولت تغذية المستخدمين إلى خوارزميات مبنية على «التفاعل»، الذي كان في الغالب يعني قدرة المنشورات «المدونات» على إثارة المشاعر.
وبحلول عام 2012، كما يعرف العالم الآن، كانت المنصات الرئيسية قد خلقت آلة غاضبة جعلت الحياة على الإنترنت أبشع بكثير، وأسرع وتيرة، وأكثر استقطاباً، وأكثر ميلاً إلى التحريض على الفضح السلبي. وبالإضافة إلى ذلك، ومع تزايد شعبية «إنستغرام» على مدى العقد المقبل، صار له آثار قوية بشكل خاص على الفتيات والشابات، إذ دعاهن إلى «المقارنة واليأس» أثناء تنقلهن عبر المنشورات من أصدقاء وغرباء يعرضون فيها وجوهاً وأجساماً وحياة تم تحريرها وإعادة تحريرها إلى أن أصبح العديد منهن أقرب إلى الكمال من الواقع.
منذ سنوات طويلة، يقول بعض الخبراء إن الهواتف الذكية ووسائل الإعلام الاجتماعية تؤذي المراهقين، في حين نفى آخرون هذه المخاوف واعتبروها مجرد ذعر أخلاقي آخر، لا يختلف عن تلك التي رافقت وصول ألعاب الفيديو، والتلفزيون، وحتى الكتب الهزلية. ومن بين الحجج القوية التي ساقها المتشككون ما يلي: تم تبني الهاتف الذكي في العديد من البلدان حول العالم في نفس الوقت تقريباً، فلماذا لا يعاني المراهقون في جميع هذه البلدان المزيد من مشاكل الصحة العقلية كما كان عليه المراهقون الأميركيون؟ فأين الدليل على ذلك؟
هذا سؤال يصعب الإجابة عنه نظراً لعدم وجود مسح عالمي للصحة العقلية للمراهقين مع بيانات لما قبل عام 2012 والاستمرار حتى الوقت الحاضر. إلا أن هنالك شيئاً قريباً. وقد قام «برنامج التقييم الدولي للطلاب» - (بيزا)، منذ عام 2000 بمسح الصبية الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً في عشرات البلدان كل ثلاث سنوات. واشتمل الاستطلاع، في جميع الإدارات باستثناء إدارتين، على ستة أسئلة عن الوحدة في المدرسة. والوحدة بالتأكيد ليست كالاكتئاب، ولكن الاثنين مترابطان - المراهقون الوحيدون غالباً ما يكونون مراهقين مكتئبين، والعكس صحيح، كما أن الوحدة مؤلمة حتى وإن لم يصاحبها اكتئاب.
إذن ماذا يظهر من استطلاع (بيزا)؟ في بحث نشرناه مؤخراً في مجلة المراهقة، قلنا إنه في 36 من 37 دولة، زاد مستوى الوحدة في المدرسة منذ عام 2012 وجمعنا 37 دولة في أربع مناطق جغرافية وثقافية، ووجدنا نفس النمط في كل المناطق: كانت وحدة المراهقين مستقرة نسبياً بين سنتي 2000 و2012، إذ أبلغ أقل من 18 في المائة عن مستويات عالية من الوحدة. ولكن في الأعوام الستة التي تلت عام 2012، ارتفعت المعدلات بشكل كبير. وتضاعفت تقريباً في أوروبا، وأميركا اللاتينية، والبلدان الناطقة بالإنجليزية، وارتفعت بنحو 50 في المائة في بلدان شرق آسيا.
تشير هذه الزيادة العالمية المتزامنة في وحدة المراهقين إلى قضية عالمية، والتوقيت مناسب لجعل الهواتف الذكية ووسائل الإعلام الاجتماعية من المساهمين الرئيسيين. لكن ألا يمكن أن يكون التوقيت مجرد صدفة؟ لاختبار فرضيتنا، طلبنا بيانات عن العديد من الاتجاهات العالمية التي قد يكون لها تأثير على وحدة المراهقين، بما في ذلك تقلص حجم الأسرة، والتغيرات في الناتج المحلي الإجمالي، وتفاقم عدم المساواة في الدخل، وارتفاع البطالة، علاوة على الوصول إلى الهواتف الذكية وساعات أكثر من استخدام الإنترنت. وكانت النتائج واضحة: لم تزد نسبة الوصول إلى الهواتف الذكية واستخدام الإنترنت إلا بخطوة ذات إيقاع ثابت مع وحدة المراهقين. أما العوامل الأخرى فهي غير مترابطة أو مترابطة بصفة عكسية.
هذه التحليلات لا تثبت أن الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي هي الأسباب الرئيسية لزيادة وحدة المراهقين، لكنها تظهر أن العديد من الأسباب الأخرى أقل احتمالا. وإذا ما كان لدى أي شخص تفسير آخر للزيادة العالمية في الوحدة في المدرسة، فإننا على استعداد للاستماع إليها.
لقد أجرينا مراجعة شاملة للبحوث المنشورة حول وسائل الإعلام الاجتماعية والصحة العقلية، ولقد وجدنا قيداً كبيراً: وكل هذا تقريباً، بما في ذلك ما لدينا، يبحث عن تأثيرات الاستهلاك على الأفراد الذين يقومون بالاستهلاك. كان السؤال العلمي الأكثر شيوعاً: هل يمتلك المراهقون الأفراد الذين يستهلكون الكثير من وسائل الإعلام الاجتماعي نتائج صحية أسوأ من المراهقين الذين يستهلكون القليل؟ الجواب هو نعم، وخصوصاً بالنسبة للفتيات.
ومع ذلك، نعتقد أن هذا الإطار غير كاف لأن الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي لا تؤثر فقط على الأفراد، بل تؤثر على المجموعات. الهاتف الذكي تسبب في إعادة صياغة هائلة للغاية من التفاعل البشري. كما أصبحت الهواتف الذكية شائعة، فقد غيرت علاقات الأقران، والعلاقات الأسرية، ونسيج الحياة اليومية للجميع - حتى لدى أولئك الذين لا يملكون هاتفاً أو ليس لديهم حساب إنستغرام. من الصعب إجراء محادثات غير رسمية في الكافيتريا أو بعد الدرس عندما يحملق الجميع في هواتفهم. من الصعب إجراء محادثة متعمقة عندما يتم مقاطعة كل طرف بشكل عشوائي من خلال «الإشعارات» المتكررة. وكما كتبت شيري توركل في كتابها «استعادة المحادثة»: فإن الحياة باستخدام الهواتف الذكية تعني «نحن في عالم آخر إلى الأبد».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة