الماء والسياسة

الماء والسياسة

الأربعاء - 11 ذو الحجة 1442 هـ - 21 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15576]
فيتالي نعومكين
رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية/ موسكو

أدى الصراع حول توزيع مياه النيل بين مصر والسودان من ناحية، وإثيوبيا من ناحية أخرى، إلى زيادة تكثيف نقاش طال أمده في المجتمع الدولي حول مشكلة المياه. لقد ولّت منذ زمن بعيد تلك الأيام التي كان يُنظرُ فيها إلى المياه على أنها نوع من أنواع الموارد التي لا تنضب. لكنها، في الوقت نفسه، وزعت كما يبدو بطريقة غير عادلة، فبعض الدول لديها فائض كبير، ولدى البعض الآخر نقص حاد في وفرتها. وحتماً تشتد المنافسة وتبرز النزاعات، عندما يدور الحديث عن الأنهار العابرة للحدود، حول مشكلة توزيع مواردها في ظروف ازدياد أحجام استخدامها للاحتياجات الاقتصادية (الري الصناعي، وبناء السدود لإنشاء محطات الطاقة الكهرومائية، وما إلى ذلك). بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم المبالاة تجاه الاحتياطيات الطبيعية من المياه العذبة، وتلوثها بمياه الصرف بأنواعه وبالمخلفات، والضررَ الذي يلحق بالثروة السمكية الناجم عن الأنشطة الاقتصادية المتهورة... كل ذلك له عواقب سلبية للغاية على الاقتصاد.
وكما هو معلوم، هناك نقص في الموارد المائية بالشرق الأوسط، ما يولد التوتر وزعزعة الاستقرار بين دول هذه المنطقة. كنت قد شاركت قبل خمسين عاماً تقريباً، بصفتي مترجماً شاباً، ضمن محادثات في بغداد بين وفد سوفياتي رفيع المستوى والقيادة العراقية. في ذلك الوقت كان رئيس العراق أحمد حسن البكر ونائب الرئيس صدام حسين. أتذكر كيف أنني لم أستطع تصديق أذني عندما سمعت كيف تحدث قادة «البعث» العراقي بقسوة عن زملائهم السوريين بشأن مشروع بناء سد الفرات الذي يتم إنشاؤه بمساعدة موسكو. بل كان هناك تلميح إلى أنه إذا لم يتم إيقاف المشروع، سينظر العراق في إمكانية توجيه ضربة لسوريا. لحسن الحظ، لم يحدث هذا. لكن بعد ذلك شعرت بمدى أهمية قضية المياه في النظام الأمني لدول الشرق الأوسط. على الرغم من أن معرفتي بمنعطفات الصراع العربي - الإسرائيلي ودور عامل المياه فيه كانت قد أعطتني فكرة جيدة عن ذلك.
بالطبع، بالإضافة إلى الموارد المائية السطحية، هناك موارد مائية جوفية، لكنها هي أيضاً بحاجة لعناية في استخدامها لا تقل عن العناية في استخدام الموارد المائية السطحية. فلقد تم اكتشاف بحيرة مياه عذبة ضخمة جداً تحت الصحراء الليبية حجمها، وفقاً للتقديرات، يساوي حجم المياه المتدفقة من نهر النيل خلال 200 عام. لقد شرع الليبيون منذ أوائل التسعينات في بناء مشروع طموح لاستخدام هذا المورد في الري الصناعي للأراضي الزراعية ولإمدادات المياه. ولقد تم أيضاً اكتشاف نهر تحت الأرض بالقرب من مدينة أتار في موريتانيا عن طريق الأقمار الصناعية الروسية. وعثر خبراء أميركيون على احتياطيات ضخمة من المياه الجوفية العذبة في إقليم دارفور السوداني.
الماء أصبح سلعة. لكن هناك حركة اجتماعية ضد خصخصة المياه. بالطبع، الحديث هنا لا يدور حول المساس بالحق السيادي للدول في التصرف بمواردها المائية (على الرغم من وجود مثل هذه الدعوات)، وإنما حول جعل التحكم فيها عاماً. تقول ناشطة المياه الكندية مود بارلو: «المياه ملكنا جميعاً». لذلك، ترى أنه لا يجوز نقل التحكم في توفير خدمات استخدام المياه إلى الشركات الخاصة. من غير المرجح أن يتمكن الناشطون في مجال المياه من تغيير النظام الذي نشأ في المجتمع العالمي، بيد أن معظم الدول اليوم، بدرجة أو بأخرى، بدأت في اتخاذ خطوات نحو موقف أكثر عناية تجاه ترشيد استهلاك المياه.
يبدو أن التحكم في الأنهار ذات المياه الغزيرة والظروف المناخية المواتية (الأمطار المنتظمة) نعمة عظيمة. ومع ذلك، فإن الزيادة في عدد الكوارث مثل الأمطار الغزيرة والفيضانات أصبحت من سمات عصرنا، حيث يبدو كأن الطبيعة تنتقم من الإنسان عقاباً على تدخله المتهور فيها. الأحداث الأخيرة في شمال ألمانيا أظهرت أنه حتى هذا البلد المتقدم لم يكن قادراً على وقف العواقب المدمرة لهذه الكارثة، والتي أدت إلى وقوع كثير من الضحايا بين السكان. ليست هناك حاجة للحديث عن العواقب الوخيمة للجفاف، إذ إن التغلب عليها يعد أكثر صعوبة. في الماضي القريب، في الاتحاد السوفياتي السابق، ومن ثم في روسيا، فكروا في كيفية مساعدة جمهوريات آسيا الوسطى على حل مشكلة إمدادات المياه وري الأراضي، حيث استنفدت موارد المياه نتيجة الاستخدام غير المنضبط وزيادة الضغط بسبب نمو عدد السكان. فقد تم اقتراح مشاريع غريبة للغاية، مثل نقل مياه الأنهار الروسية الشمالية الغزيرة إلى آسيا الوسطى عبر قناة جديدة. تم الترويج لهذا المشروع المجنون من قبل عمدة موسكو السابق، يوري لوجكوف، وبأعجوبة فقط لم يتم تنفيذه بسبب المعارضة الشعبية له. ليس لأنها لم ترغب في مساعدة حلفائنا، وإنما فقط لأن مثل هذا التدخل في الطبيعة غير مسموح به.
بالإضافة إلى الأهداف الاقتصادية الأنانية، يمكن استخدام المياه لأغراض سياسية كسلاح أو أداة ضغط من قبل الدول الواقعة في الروافد العليا للأنهار من دون مراعاة مصالح الجيران في الروافد الدنيا منها. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى الانتقادات الحادة من قبل السلطات السورية لأعمال تركيا و«الجماعات الإرهابية المدعومة من قبل المحتلين الأتراك»، كما وصفهم وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في اجتماع عقد مؤخراً مع نظيره العراقي، بشأن قطع تدفق المياه إلى محطة علوك في الحسكة وانخفاض منسوب مياه نهر الفرات المتدفق إلى سوريا والعراق، وهو ما يتعارض مع الاتفاقيات الدولية القائمة، وله عواقب وخيمة على الوضع الإنساني.
تظهر الخبرة المكتسبة في العالم أن التوصل إلى اتفاق بين الدول المتنازعة على توزيع مياه الأنهار العابرة للحدود في كثير من الحالات يكون صعباً للغاية. وهذا ينطبق على مشكلة مياه النيل؛ إذ شرعت إثيوبيا منذ عام 2011، حيث 65 في المائة من السكان فيها محرومون من الكهرباء، بإنشاء ربما أكبر مشروع تقني واقتصادي طموح في تاريخها - «سد النهضة الإثيوبي الكبير» والمحطة الكهرومائية، وقد وصلت نسبة إنجاز المشروع إلى 80 في المائة. تتوقع أديس أبابا تغطية جميع احتياجات السكان من الكهرباء، بل وبيع الفائض منها للدول المجاورة عبر خطوط شبكة الكهرباء. تبلغ تكلفة المشروع من 4 إلى 6 مليارات دولار ، بيد أنه بعد بدء تشغيل المنشأة، ستكون الدولة قادرة على كسب 27 مليون دولار في اليوم، ناهيك بإمكانية إنتاج ما يقارب سبعة آلاف طن من الأسماك سنوياً في الخزان الكبير.
لم يتم الاتفاق على البناء مع مصر والسودان، اللذين يخشيان بحق من عواقب انخفاض تدفق المياه إلى نهر النيل. ومن المعروف أن إثيوبيا بدأت في مطلع يوليو (تموز) الجاري المرحلة الثانية لملء الخزان الذي سيصل حجمه الإجمالي إلى 74 مليار متر مكعب، بينما يبلغ معدل التدفق السنوي للنيل الأزرق 49 مليار متر مكعب. من السهل مقارنة الضرر المحتمل، لأنه حسب التقديرات المصرية، يوجد اليوم لكل مصري 570 متراً مكعباً فقط من المياه من معدل 1000 متر مكعب لكل شخص سنوياً. وتخشى القيادة المصرية من انخفاض المخزون المائي في «بحيرة ناصر» وانخفاض إنتاج الكهرباء ومن عواقب وخيمة أخرى في المستقبل كُتب عنها الكثير. لذلك، وبحسب عدد من العلماء، فإن انخفاض سرعة النيل سيؤدي بشكل خاص إلى نقص مياه الشرب وانهيار المنظومة الزراعية في مصر والسودان. ففي حال قامت إثيوبيا بملء الخزان على مدى ثلاث سنوات، سيتسبب ذلك في نقص 25 مليار متر مكعب عن مصر. تقدم مصر، ربما إدراكاً منها بعدم إمكانية إيقاف المشروع، حلاً وسطاً معقولاً لملء الخزان على مدى عشر سنوات على الأقل وتحت مراقبة الدول المجاورة، وهو ما لم توافق عليه إثيوبيا بعد.
تتفهم روسيا مخاوف مصر والسودان وتنطلق من حقيقة أنه لا يوجد حل باستخدام القوة لهذا الصراع، كتوجيه ضربة للسد مثلاً. عرضت قيادة الاتحاد الروسي الخبرة الفنية على البلدان الثلاثة المنخرطة في النزاع على مياه النيل، وبالدرجة الأولى عن طريق تقديم صور من الفضاء وتحليل للخبراء في قطاع المياه والطاقة. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال بعد محادثات مع نظيره المصري سامح شكري في 12 أبريل (نيسان) من العام الجاري، إن الخلافات حول بناء سد النهضة «يجب أن تحل حصرياً بين الدول المعنية عبر الحوار». أي فقط بين الدول الثلاث المعنية و«يجب على جميع الدول الأخرى أن تهيئ الظروف الملائمة الضرورية لذلك». وشدد الوزير في حديثه عن الوسطاء الدوليين، على أن روسيا لا تنافس على شغل هذا الدور، مؤكداً أهمية دور الاتحاد الأفريقي في هذا الشأن. جوهر الموقف الروسي يستند إلى مبدأ: «حلولٌ أفريقية للمشاكل الأفريقية».
* خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة