اعتمدت اقتصادات الخليج منهجيات مختلفة في سباق ما بعد الجائحة لاستقطاب الاستثمار الأجنبي. ففي منطقة تفيض فيها معدلات السيولة، أصبحت الأنظار مسلطة بشكل أكبر على الأسواق المحلية لا سيما من مديري الأصول العالميين. ومع ذلك، يرى بعض المستثمرين أن المخاطر لا تزال تشكل مصدراً لتشتيت الانتباه عن الفوائد والعوائد المحتملة التي تنطوي عليها هذه الأسواق.
إذا كانت الحقيقة الضحية الأولى في النزاعات، فيبدو أنّ الثقة هي الضحية الأولى لهذه الجائحة.
ويعيد هذا النقص في الثقة رسم ملامح حياتنا اليومية بسرعة فائقة كما يسلط الضوء على سمات بارزة في المشهد الاستثماري.
فعلى الصعيد الفردي، بدأ ينمو لدى المستثمرين شعور بأننا أصبحنا عُرضة لعمليات الاحتيال في كلّ مرة ننكبّ بها على استخدام الحاسوب في العمل، حيث أصبحت رسائل البريد الإلكتروني المخادعة تجتاح بيئة العمل الإلكترونية للحصول على التفاصيل الخاصة بحسابات المستخدمين. على سبيل المثال، يجب أن نتصل بمصرفنا على وجه السرعة وإلا فسيتم إغلاق حسابنا، أو تهتف رسائل البريد الوارد الخاصة بنا في رؤوس الأموال الكبيرة، تحتاج شركة البريد السريع إلى دفع رسوم توصيل إضافية. والقائمة تطول.
في حين أنّ الجائحة قد وفّرت أرضاً خصبة لانتشار هذا النوع من الخدع، إلا أنّها ليست محصورة بأي حال من الأحوال في مجالات البيع بالتجزئة. فقد وقع عدد من الفضائح التي طالت الشركات في جميع أنحاء المنطقة والتي سلّطت الضوء على إمكانية تعرّض المستثمرين للسرقة والاحتيال عبر وسائل أكثر دهاءً وتعقيداً.
في الواقع، يبدو أنّ معظم المستثمرين لديهم ثقة ضئيلة في المنطقة مقارنةً بمناطق مختلفة حول العالم.
وقد كشفت نتائج الاستطلاع الذي نشره معهد المحللين الماليين المعتمدين (CFA) مؤخراً تحت عنوان «كوفيد - 19: بعد مرور عام» أنّ القلق الأكبر الذي راود المستثمرين الإماراتيين في العام الماضي تمحور حول مخاطر الاحتيال أو احتمال التلاعب بالسوق في أسواق التجزئة –وذلك حسبما أشار إليه 44% من المشاركين في الاستطلاع. وأعرب أكثر من نصف المشاركين الإماراتيين في الاستطلاع عن قلقهم من مخاطر الإجراءات غير الأخلاقية التي سيطبّقها خبراء الاستثمار والشؤون الماليّة بما يتعارض مع مصالح المستثمرين.
لهذا السبب يجب على مديري الأصول إيلاء مزيد من الاهتمام للمبادئ الأخلاقية والشفافية عند الإبلاغ عن الأداء إذا أرادوا استكمال تدفقات الأموال في النظام الإقليمي الجديد.
وكذلك، يسلّط الاستطلاع الضوء على مخاوف المستثمرين في هذه السوق ويعكس خيبة أمل واسعة تجاه معايير حوكمة الشركات. ومع ذلك، فإنه حتى في البيئات التنظيمية التي تفتقر لهذه المعايير، تتوفر لمديري الأصول خيارات واسعة من الأدوات للتحقق من دقة النتائج المالية المتعلقة بالأداء ومن شفافيتها وامتثالها للمعايير الأخلاقية وقابليتها للقياس -سواء وُجدت مقراتهم في دبي أو لندن أو نيويورك.
في ضوء هذه المخاوف، نلاحظ أنّ المجتمع التنظيمي في الشرق الأوسط قد ركّز على معالجة مسألة حوكمة الشركات. وأصدر اتحاد هيئات الأوراق المالية العربية (UASA) مؤخراً المبادئ التوجيهية لتحقيق التقارب بين أعضاء الاتحاد فيما يتعلق بقواعد الإصدار والإدراج، والإفصاح، والتجارة الداخلية والحوكمة. فثمة اعتراف لدى الجميع بأنّ الحوكمة القوية والممارسات الأخلاقية في المجتمع المؤسسي والمالي تشكّل عناصر أساسية لابتكار دائرة ثقة مستقيمة بين الشركات التي تحتاج إلى رأس المال وشركات الاستثمار الراغبة في الاستثمار في المنطقة. في نهاية المطاف، سيعمل التطور الإيجابي في هذا المجال على تحقيق مصالح المستثمرين.
بالإضافة إلى التطورات التنظيمية، تمثل معايير الأداء الاستثماري العالمية الصادرة عن معهد المحللين الماليين المعتمدين (GIPS) أداة مهمة للحوكمة، وهي راسخة بالفعل لدى مديري الأصول وصناديق الثروة السيادية الأكثر شهرة في منطقة الخليج. ويشار إلى أنّ نحو 1700 مؤسسة تحقق الامتثال لمعايير الأداء الاستثماري العالمية (GIPS) المعترف بها في جميع أنحاء العالم والتي تُعد أفضل ممارسات الصناعة لإعداد التقارير الخاصة بأداء الاستثمار.
يساعد برنامج الشهادة التكميلية في قياس أداء الاستثمار (CIPM®) أيضاً على بناء المهارات اللازمة لتقييم أداء الاستثمار الفعّال.
وتسهم هذه العوامل مجتمعة في مساعدة المستثمرين على اختراق المسار التسويقي وتقييم الفرص المحتملة بطريقة موحّدة وشفافة. قد لا تكون هذه الحقيقة الساطعة مقنعة بالضرورة بالنسبة لأولئك الذين لديهم ما يخفونه –وهذا يفسّر ربما لِماذا يفضّل بعض مديري الأصول الاعتماد على مقاييس النجاح المعدّة محلياً- فكما يُقال مدح الذات لا يُعتدّ به.
يمكن أن توفر معايير الأداء الاستثماري العالمية (GIPS) الطمأنينة التي يتوق إليها المستثمرون بشكل واضح من دون الحاجة إلى التحايل على الأنظمة التي يفضلون في الأصل تجنّبها. وقد قطعوا شوطاً كبيراً في معالجة حالة فقدان الثقة بالمنطقة وبدأت معالم ذلك بالتجلي بوضوح حيث باشر بعض الأسواق الخليجية بتطبيق معايير حوكمة الشركات على القطاع الخاص.
أضف إلى ذلك أن النفط لم يشكل المحرّك الوحيد لتدفق رؤوس الأموال من وإلى دول الخليج المصدّرة للنفط والغاز. فقد اتجه كثير من هذه الدول إلى تنويع اقتصادها ما أدى إلى تلاشي الاعتماد على النفط كمورد رئيسي للاقتصاد تدريجياً، مع التركيز على بدائله.
لم يعد النفط الورقة الرابحة كما في السابق. كما أنّ تركيز المستثمرين بدأ يشهد تغيّراً سريعاً، حيث إن عمليات الاستثمار في قطاعات الحوكمة البيئية والاجتماعية والتركيز الأكبر على حوكمة الشركات بدأت تعني أنّه على مديري الأصول بذل مزيد من الجهود من أجل تحقيق مكاسب جديدة، وذلك من خلال الاعتماد بشكل كبير على الشفافية والثقة.
إن التلاعب بالأرقام وإخفاءها لم يعد متاحاً للمديرين الماليين.
* محلل مالي معتمد والرئيس الإقليمي لمعهد المحللين الماليين المعتمدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
9:26 دقيقه
TT
إخفاء الأرقام لم يعد مُتاحاً للمديرين الماليين
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
