د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

هل يجب حظر شبكات التواصل الاجتماعي عن القاصرين؟

استمع إلى المقالة

في سابقةٍ من نوعِها، أقرَّ البرلمان الفرنسي مشروعَ قانون يمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على القاصرين دون سن 15، مثل «تيك توك» و«سناب تشات» و«إنستغرام»، في خطوة اعتبرها الرئيس إيمانويل ماكرون وسيلةً لحماية الأطفال والمراهقين من الإفراط في استخدام الشاشات، على أن يُحال النصُّ إلى مجلس الشيوخ قبل دخوله حيزَ التنفيذ؛ وينصّ المشروع أيضاً على حظر الهواتف المحمولة في المدارس الثانوية، وهذا ما يجعل فرنسا ثاني دولة تعتمد هذا التوجه بعد أستراليا، التي منعت في ديسمبر (كانون الأول) استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الـ16.

ويقيني أن هذا التوجه التشريعي - القانوني أصبح ضرورة لأنَّ مشاعر أطفالنا ومراهقينا ليست للبيع أو للتلاعب بها، سواء من قبل المنصات الرقمية أو الخوارزميات، في عالم افتراضي أضحى رفيقاً يومياً للطفل والمراهق والشاب والرجل العادي ورجل السياسة ورجل الدولة وأصحاب المال والشركات؛ وأحدث بذلك شرخاً في جدار وسائل التواصل التقليدية.

كما أنَّ هاته الشبكات أضحَت عندها ميزة التفاعل الآني واللحظي مع كل ما ينشر أو يصور، وأصبح الإنسان بإمكانه أن يتفاعل مع الخبر وهو جالس في بيته، أو في الحافلة، أو في الملعب، أو على ضفاف البحر، أو في قاعات الدراسة، وهو ما يجعل من عملية التأثير على أدمغة الأطفال والمراهقين مسألةً سهلةً وخطيرةً جداً؛ ومن يملك مفاتيح خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، فقد ملكَ العقول والأفئدة؛ وقد فهم الرئيس ترمب في حملته الانتخابية القوةَ الردعيةَ لشبكات التواصل الاجتماعي، فتحالف في تلك الفترة مع أقوى رجل في هاته الشبكات في العالم، إيلون ماسك، ووعده بمسؤوليات جمَّة وأبواب مفتوحة مقابل مساعدته بإدارة حملته الانتخابية من هذا المطبخ الافتراضي الجديد، لتيقنه بأنَّه أداة فاعلة ومؤثرة ومضمونة النتائج؛ وهو يشهد يومياً مزيداً من الإقبال؛ كما أنَّ المنتمين إليه هم من كل الأعمار والفئات والمستويات؛ أي كل المواطنين. والنتيجة معروفة: فقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في إيصال رسائل الرئيس ترمب إلى كل الناس، وإلى تقزيم سياسات الخصم، وإلى جلب الجمهوريين والكثير من الديمقراطيين إلى صفوفه.

كما أنَّ هذا المنعَ يتماشى وبعض الدراسات العلمية الموثوقة التي تشير إلى أمراض نفسية خطيرة لدى الأطفال والمراهقين، بسبب الإدمان الرقمي، وهو يشبه تماماً حالات الإدمان الأخرى، ويؤثر ذلك على الصحة النفسية للشخص وعلاقاته الاجتماعية وأنشطته؛ وتعجُّ عياداتُ الأطباء النفسيين اليومَ بمرضى الإدمان الرقمي لدى صغار السّن خاصة، وأنَّ قضاء أوقات طويلة في العالم الافتراضي يعرضهم لكميات لا متناهية من المعلومات، وهو ما يؤثر على نموهم العصبي، ولو قام السوسيولوجيون بدراسات ميدانية لوجدوا أنَّ عددَ هؤلاء المدمنين الرقميين في ارتفاع كبير، وأنَّه مرض عضال يحتاج إلى علاجات وسياسات دقيقة لمكافحته والحد منه.

فبدل أن يقضيَ الأطفال وقتَهم في الاستمتاع بطفولتهم باللعب والتعلم، فإنَّهم يهدمونها بقضاء وقتهم على الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي والتنمّر الإلكتروني، وإدمان الشاشات، وهناكَ حالاتٌ خطيرة يجد المراهقون والأطفال أنفسَهم فيها، وأعني بذلك ظاهرة الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، وهو ما يؤدي إلى مشكلات مجتمعية وأمراض نفسية عميقة.

ومن بين النتائج الأخرى عند الأطفال والمراهقين بسبب الإدمان الرقمي، معاناتهم من اضطرابات في النوم، واضطرابات عاطفية تجعلهم يرتمون في أحضان العدوانية والخوف والقلق والاكتئاب، بل والتفكير في الانتحار، لأنَّهم يعيشون معزولين عن عالم الحقيقة، ويتّبعون خوارزميات، بل وحتى أناساً غرباء لا صلة لهم بالقيم الإنسانية ولا بالمسؤولية الحضارية.

ما قامَ به المشرع الفرنسي مسألةٌ محمودةٌ أتمنَّى أن تعمّم، ولكن مع ذلك يجب ألا ننسى أنَّ شبكات التواصل الاجتماعي يصعب مراقبتُها أو ضبطها، فلا تملك الدولُ بنياتٍ تحتيةً متكاملة تمكّنها من مراقبة المحتوى الرقمي أو إيقافها، خاصة وأنَّ تطبيق مثل هاته القوانين يبقى مرتبطاً بتطوير نظام فعال للتحقق من أعمار المستخدمين، وهو مسار صعب يجب أن تتجنَّد له العائلة والمدرسة؛ وحري بجميع المعنيين البدء فوراً بهذا العمل تأصيلاً وتعميماً وهي مسؤولية تاريخية جماعية... ففشلها يعني تمزيقَ المجتمعات والقضاء على أجيال بأسرها.

كما أنَّ هناك سلبيات أخرى لها علاقة بالموضوع مثل التسوّل والانحراف والتَّضليل الرقمي، وفي هذا الجانب هناك معادلة صعبة تكمن في كيفية خلق توازنٍ بين حرية التعبير والتأصيل لمفاهيم القيم المتعارف عليها دولياً، وأعني بذلك كيفية تقنين وضبط محتوى آليات التواصل الاجتماعي بما يتماشى مع مسائل القواسم المشتركة التي تجمع بين بني البشر، وهذا ليس بعمل دولة وحدها أو منظمة واحدة، بل يتطلب تعزيزاً للتكتلات الإقليمية والدولية لتكون قوة تفاوضية مع كبريات الشركات الرقمية العالمية.