الشراكة العمانية ـ السعودية واستلهام رؤية المستقبل

الشراكة العمانية ـ السعودية واستلهام رؤية المستقبل

الثلاثاء - 4 ذو الحجة 1442 هـ - 13 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15568]
يوسف الديني
كاتب سعودي

الاهتمام الكبير الذي حظيت به الزيارة السلطانية للمملكة العربية السعودية والتفاصيل التي عكستها أهمية هذا الحدث التأسيسي لمستقبل منطقة الخليج، لا يمكن أن تخطئه عين المراقب السياسي المنصف، فالسعودية اليوم هي قبلة الاعتدال السياسي في المنطقة بما تعنيه الكلمة وكيف أنها دشنت نفسها وموضعت فلسفتها السياسية political positioning عبر رؤيتها 2030 الطموحة ونموذجها في الاتجاه صوب المستقبل وتكريس مفهوم السيادة وفضيلة الاستقرار ومنطق الدولة.
هذه الزيارة تحمل معنى جديداً للشراكة السياسية باتجاه المستقبل وضرورة أخذ زمام المبادرة لإصلاح الأوضاع والنهوض بالذات بعيداً عن ارتباكات وانكسارات المنطقة، ورهانات القوى الغربية بما فيها الإدارة الأميركية تجاه الملفات الخارجية ومقارباتها، فالسلطان هيثم بن طارق سبق هذه الزيارة بخطوات عظيمة في إعادة هيكلة نظام الخلافة في عُمان، والأهم التركيز على ملف الإصلاح الاقتصادي بما يضمن عبور البلاد في ظل التحديات الكبرى في المنطقة في عالم ما بعد «كورونا» إلى بر الأمان، وكان أول تلك التحولات في الداخل العماني التي رصدها المراقبون ومراكز الأبحاث وخزانات التفكير، بتوزيع عدد من المهام المرتبطة بمهامه إلى كفاءات جديدة؛ من الخارجية إلى المالية ومحافظ البنك المركزي وتشكيل حكومة بدماء جديدة هدفها الأول تطوير الفلسفة الاقتصادية والمالية للسلطنة. وبعد توليه بمدة قصيرة قام السلطان بإعادة كتابة أجزاء من الدستور العماني مع تغييرات واسعة النطاق في القطاع العسكري، والأهم إطلاق رؤية للسلطنة 2040، وهو ما يحيل كل منصف إلى قراءة التأثير الكبير للرؤية السعودية في المنطقة والخطوات العملاقة لعرابها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان الذي كان في طليعة المستقبلين للسلطان هيثم والمتوجين له بأعلى الأوسمة، وهو ما لا يمكن قصر قراءته على التقاليد الدبلوماسية وإنما على تدشين عهد سعودي عُماني جديد وشراكة نوعية في المنطقة ستؤتي أكلها بسبب أهمية الجيوسياسية العمانية وقدرتها على تدعيم رؤية البلدين الطموحة في تحسين أوضاع المنطقة، خصوصاً في المجال الأمني والاقتصادي والاهتمام بالاستثمار في الداخل وتقوية الاقتصاد، وهو ما ظهر جلياً في الخطة الخمسية التي أطلقها السلطان هيثم وميزانية 2021 التي صدرت في 1 يناير (كانون الثاني) وركزت على رؤية 2040 التي عمل عليها قبل توليه العرش وحدد فيها سقفاً للهيئات الحكومية وعمل على مبادرات تخفيض النفقات والتخلص من إدمان النفط والاستدامة المالية وتشكيل فريق اقتصادي صلب قوامه من كفاءات التكنوقراط العمانية.
هذه الزيارة التاريخية، وهي الأولى للسطان هيثم، استطاعت تمكين الرؤية السعودية الطموحة باعتبارها نموذجاً إقليمياً يحتذى، حيث تحتل «فضيلة الاستقرار» والاستثمار في الداخل واعتبار المواطن رأس المال الأول، أهم الركائز السياسية الكبرى التي تسعى المملكة العربية السعودية وعُمان ودول الاعتدال إلى تكريسها في المنطقة عبر مواقفها الحاسمة في الأوقات الصعبة!
والحال أن الخليج اليوم في لحظة حاسمة كما لم يكن من قبل، وعليه أن يسعى بخطى ثابتة نحو الإصلاح الاقتصادي والإداري الذي ابتدأه منذ تبدل أسعار النفط، لكنه يواجه عبر دوله وكياناته المجتمعية تحديات كبيرة في عالم مضطرب يعيش لحظة مفصلية من تاريخه، ومنطقة تتشكل من جديد بكل ما تعنيه الكلمة على أنقاض جمهوريات وجماهيريات اضمحلت لأنها فقدت مسببات البقاء.
مفهوم المواطنة السعودي ومفهوم المواطنة العماني الذي كرّسه السلطان هيثم منذ توليه العرش، هو صمام أمانها في الأزمات في ظل غياب مفهوم المواطنة في كثير من تجارب الدولة الوطنية، التي مسها الكثير من التغير والتغيير بسبب عوامل كثيرة كانت «الثورات» بما تخلقه من فوضى طبيعية أحد أهم تحدياتها، وعكس ما كان في السابق من احتياج الباحث في الاجتماع السياسي والمفاهيم المجتمعية العامة، إلى جهد ووقت كبيرين لفحص عينات من تحولات أفكار الفاعلين في المجتمع.
هناك سردية سعودية جديدة يجب أن تُكتب، بعيداً عن التاريخ السعودي المليء بالتحولات الذي يجب أن نتجاوز في كتابته ورصده وتوثيقه سرد اليوميات والأحداث التاريخية إلى بناء منظومة من المفاهيم والملفات والتصورات الكبرى التي أسستها التجربة السعودية الفريدة من المؤسس وحتى الرؤية، بدءاً من إعادة الفاعلية والمركزية إلى سلطان الدولة ومؤسساتها بعيداً عن أي قوى أو كتل دينية أو اجتماعية أو اقتصادية من شأنها التأثير على مفهوم الاستقرار، وكيف أن التعامل مع المستقبل وتدشين رؤية 2030 بات حجر الأساس في النسخة السعودية الجديدة وملهماً للدول في المنطقة للاستفادة من سردية السعودية الجديدة صوب المستقبل.
السعودية وعُمان تعيدان الاعتبار لمنطق الدولة والسيادة والاستثمار في المستقبل، بحيث يعلو هذا صوت الاعتدال فوق كل التفاصيل الصغيرة والهامشية، حيث ما «ينفع الناس يمكث في الأرض»!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة