«كورونا»... تناقض التوصيات عزز الالتباس

«كورونا»... تناقض التوصيات عزز الالتباس

الاثنين - 3 ذو الحجة 1442 هـ - 12 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15567]

تظهر الرسائل المختلطة حول متحور «دلتا» (مرة أخرى) أن الخبراء يمكنهم قياس الخطر، لكن لا يمكنهم إخبار الناس عن مدى المخاطر التي يجب عليهم قبولها.
متحور «دلتا» هو قصة الفزع الجديدة للوباء الراهن. ولم يؤد انتشاره في الولايات المتحدة إلى زيادة في عدد الوفيات أو اكتظاظ أجنحة المستشفيات، غير أن أنباء وجوده قد خيمت بظلال قاتمة على احتفالات الرابع من يوليو (تموز).
وقد استجاب اختصاصيو الصحة العامة بمجموعة محيرة من التوصيات المتناقضة، والمعلومات المتضاربة، والحقائق العلمية التي بدت غير متناسقة. وكانت النتيجة، كما في المراحل المبكرة من وباء «كورونا» المستجد، ارتباكاً وغضباً لا داعي لهما. فهل يجب على الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح مواصلة ارتداء الكمامات الواقية؟ تتوقف الإجابة على من تطرح عليه السؤال. وهل سوف تعود الحياة الاقتصادية إلى طبيعتها؟ تختلف آراء الخبراء حول ذلك.
يقول البعض إن ذلك يعتمد على الظروف المحلية. ويقول الدكتور أنتوني فوسي، المستشار الطبي في البيت الأبيض، إن على الجميع أن يرتدوا الكمامات في ولاية ألاباما، التي تعاني من انخفاض معدلات التطعيم وارتفاع حالات الإصابة.
وأوصت الدكتورة روشيل والنسكي، مديرة المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض، بارتداء الكمامات الواقية داخل البيوت في مجتمع فيه نسبة تطعيم أقل من الثلث. بيد أن مقاطعة لوس أنجليس تريد أن يرتدي الأشخاص الحاصلون على اللقاح الكمامات الواقية على رغم ارتفاع معدلات التطعيم نسبياً.
أما المتحور «دلتا»، الذي اكتشف لأول مرة في الهند، فإنه أكثر قدرة على الانتقال من المتحور الآخر الأكبر قدرة على الانتقال، الذي يطلق عليه الآن المتحور «ألفا» (والمسمى سابقاً «B.1.1.7» الذي ظهر في المملكة المتحدة)، والذي عزز الدعوات إلى ارتداء الكمامات الواقية المزدوجة في الربيع الماضي فقط.
ظهر متحور «دلتا» كتهديد صحي في الوقت نفسه تقريباً الذي كانت فيه سلطات الصحة العامة في الولايات المتحدة تشجع الأفراد على اتخاذ قراراتهم الخاصة بشأن السلامة من فيروس كورونا، بدلاً من الحث على معايير موحدة للسلوك العام. وفي مايو (أيار)، خففت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها من حدة توصياتها بشأن الكمامات الواقية، وأعلنت الدكتورة والنسكي أن الأشخاص الذين تم تطعيمهم بالكامل «يمكنهم البدء في القيام بالأمور» التي توقفوا عن القيام بها بسبب الوباء.
وكان الدافع وراء هذا التحول هو توفر اللقاحات الفعالة للغاية، التي يبدو أنها تعمل ضد جميع أشكال فيروس كورونا، بما في ذلك المتحور «دلتا». ولكن التحول نحو التركيز على المسؤولية الشخصية يشكل أيضاً تغييراً سياسياً وأخلاقياً معتبراً. لذا فإنه من غير المستغرب، إن لم يكن مثيراً للقلق أيضاً، أن تختلف التوصيات والقواعد: إذ تنضم منظمة الصحة العالمية إلى مقاطعة لوس أنجليس في دعوتها للأشخاص الذين تم تطعيمهم بضرورة ارتداء الكمامات الواقية في معظم الأماكن المغلقة، بيد أن مراكز مكافحة الأمراض تصر على أن قرارات ارتداء الكمامات يجب أن تكون في يد المقاطعات، والشركات، والأفراد.
وأوضحت الدكتورة والنسكي، أن اللقاحات متوفرة في الولايات المتحدة أكثر بكثير مما في معظم أنحاء العالم، وهي تستعمل في بعض الولايات الأميركية أكثر من غيرها. وعلى هذا فإن توصيات لجنة مكافحة الأمراض والوقاية منها ومنظمة الصحة العالمية يمكن أن يقال إنها تحظى بدعم علمي. ولكن العلم يؤكد أيضاً أن الأشخاص الذين تم تطعيمهم من غير المرجح إلى حد كبير أن يصابوا بمرض خطير حتى ولو أصيبوا بمتحور «دلتا»، ومن غير المرجح على الإطلاق أن ينقلوا العدوى إلى أناس آخرين في محلات البقالة.
ولهذا السبب فإن «العلم» ليس في حد ذاته وصفة طبية لسياسة صحية عامة وسليمة. إذ يمكن لعلم الفيروسات وعلم الأوبئة أن يقدما للناس تقديرات لمدى خطورة شيء ما، لكن لا يمكن أن تخبروا الناس عن مدى الخطورة المفرطة، أو عن إجراءات التخفيف التي تفرض الأعباء الكبيرة.
التواصلات بين العلم والسياسة لم تكن واضحة، وعدم الارتياح بشأن عدم ارتداء الكمامات قد ظهر في التعليقات في ذيل مقالة صدرت مؤخراً في صحيفة «بوسطن غلوب»، وتقول للناس في ولاية ماساتشوستس إنه يجب الاحتراز من متحور «دلتا»، مع عدم الفزع منه.
وتنقل المقالة عن الدكتورة شيرا دورون، عالمة الأوبئة في مستشفى مركز تافتس الطبي، قولها: «لا يوجد سبب علمي يدعو الشخص الحاصل على اللقاح إلى ارتداء الكمامة في أي مكان، باستثناء راحته الشخصية». في حين أكد المعلقون الغاضبون مجدداً على الاعتقاد بأن الكمامات هي أفضل طريقة لحماية الآخرين.
وأشارت إلى أن الكثير من مخاوف الناس المستمرة وإرشادات الصحة العامة التي تعكس ذلك، قد تعود إلى تحذيرات مضللة في بداية حملة التطعيم بأن اللقاحات لا توفر الحماية للآخرين.
وقالت الدكتورة موجي سيفيك، وهي طبيبة الأمراض المعدية في جامعة سانت أندروز في المملكة المتحدة، إن هناك بيانات تُظهر أن خطر الإصابة بالعدوى على الإطلاق ينخفض بنسبة 60 إلى 80 في المائة بعد أن يتم التطعيم بالكامل، أما أولئك الذين يصابون بحالة غير مسبوقة، فلديهم احتمالات أقل لنقلها إلى الآخرين. وهذا ما يفسر من دون شك لماذا لم تصبح المستشفيات غارقة بالحالات الجديدة، عندما أصبح المتحور «دلتا» شائعاً هناك، ولماذا لا ترتفع حالات الوفيات كذلك.
من الذي ما زال مصاباً بالعدوى؟ تقول الدكتورة سيفيك إن الأشخاص الأصغر سناً الذين لم يتم تطعيمهم يأتون في المقام الأول، بالإضافة إلى عدد قليل من الأشخاص الذين تم تطعيمهم ممن يعملون في المهن التي تعتبرها أكثر عرضة للمخاطر، وهم سائقو سيارات الأجرة، والحافلات، والأشخاص العاملون في صناعة الضيافة. ويأتي الخطر من التعرض الداخلي طويل الأمد لعدد كبير من الناس كل يوم. وتذكروا: من الصعب أن يصاب أي من الأشخاص الحاصلين على اللقاح بمرض خطير.
واعتبر أنصار ارتداء الكمامات على مستوى العالم هذه الاستراتيجية جديرة بالاهتمام في عام 2020، عندما كانت الحالات في ارتفاع مطرد، واللقاحات غير متوفرة على نطاق واسع، ولكن مقدار ما وفرته الكمامات من مساعدة لا يزال غير محدد بشكل كبير.
قال لي اثنان من الأطباء الذين دعوا بشدة من أجل ارتداء الكمامات، إن ذلك لم يعد ضرورياً في الولايات المتحدة بحلول مايو لعام 2021. وواحدة منهم، الدكتورة مونيكا غاندي من جامعة كاليفورنيا فرع سان فرانسيسكو، قالت إن اللقاحات فعالة جداً لدرجة أنها لا توصي بالعودة إلى ارتداء الكمامات على مستوى العالم، ما لم يرتفع معدل إيجابية الاختبارات إلى أكثر من 8 في المائة - وهو أعلى بكثير من المعدل الحالي في لوس أنجليس.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو