مساخيط وثيران

مساخيط وثيران

الأحد - 25 ذو القعدة 1442 هـ - 04 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15559]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

لم يعد خفيّاً أن قطعاً مهربّة من آثار العراق وسوريا ومصر تباع في المزادات العالمية علناً، منذ سنوات، كأنها ملك حق للمتاجرين بها. ويحدث أن تتحرك هذه السفارة أو تلك الوزارة للاعتراض ووقف عمليات البيع. وغالباً ما تفشل في مسعاها. وطالما أن هناك من يشتري ويدفع أثماناً باهظة فإن عمليات الحفر والتهريب لن تتوقف. وهناك فئات تعيش عليها وترتزق منها.
كان الخبر المثير في الأيام الماضية هو القبض على نائب مصري سابق وضبط تحف ثمينة في حوزته. وما نشرته الصحف والشاشات من مضبوطات يدل على أن لديه ما يكفي لتأثيث متحف صغير. وهو ليس أول تاجر يدير عصابة لتهريب الآثار ولن يكون الأخير. ففي أرض مصر من المقتنيات أضعاف أضعاف ما رآه فيها المتنبي من المضحكات. بل يقال إن ثلاثة أرباع آثار مصر ما زالت تحت الأرض.
ليس هناك دولة تمتلك كل هذه الثروة. لذلك لا يتفاجأ المرء حين يقرأ عن أناس يحفرون في قلب القاهرة، وسط زحامها الشهير، يقلبون سطح الأرض وينزلون أمتاراً ويعثرون على لقى فرعونية وقبطية ويونانية وإسلامية وغير ذلك. تماثيل وحلى ودوارق وخزفيات ما زالت مطمورة تحت كل شبر من أرض المحروسة، هذا غير التوابيت والمومياوات التي لا تقدر بثمن.
أطلق العامة على التماثيل تسمية مساخيط. ومفردها مسخوط. وأن يسخط فلان على فلان تعني أنه كرهه وغضب عليه. ومثلما أنعمت الطبيعة على بعض البلاد بالنفط والغاز والفوسفات والألماس والذهب فإن مصر هي هبة النيل، وبترولها الآثار الفرعونية. بل إن متاحفها لا تكفي لعرض كل ما يتكدس في مخازنها. لذلك ظهر، قبل سنوات قلائل، من يقترح بيع الزائد والمكرر من تلك الآثار، في الخارج، والاستفادة من عائداتها. يومها، نشرت صحيفة «المونيتور» الأميركية تقريراً لمراسلها في القاهرة جاء فيه: «ماذا لو استيقظ المصريون ذات صباح على خبر عاجل مفاده أن الآثار الوطنية لمصر سوف تباع في مزادات علنية دولية؟».
هل تصلح المساخيط طعاماً لجائع؟ هل تداوي مريضاً؟ هل تسدد أقساط جامعة؟ كانت مصر تصدّر القطن إلى العالم كله. وفي إمكانها تصدير أحجارها القديمة، شرط أن تكون الدولة صاحبة القرار لا عصابات التهريب. ويبقى من المستبعد أن تغزو المساخيط المزادات في لندن وباريس ونيويورك وأن يحقق الأثرياء والهواة أحلامهم باقتناء قطعة من تاريخ البشرية، فجر الحضارات.
قامت الدنيا ولم تقعد على أصحاب تلك الفكرة. لا أحد يوافق على المتاجرة بالتراث الوطني وباللقى التاريخية النادرة. ولعل هناك من توقّف ليسأل عن معنى الندرة لأنها هي ما يحدد الثمن. فكيف إذا كانت التماثيل الصغيرة المتشابهة بالآلاف، تطلع من أرض مصر مثل الفطر وبوفرة جذر البطاطا؟ هل تذكرون جذر البطاطا الذي أودى بفاتن حمامة في فيلم «الحرام»؟
أهل مصر أدرى بشعابها. أما في العراق وسوريا فقد سخط تنظيم «داعش» على الآثار ودمّر متحف الموصل وقطع رأس مدير الآثار في تدمر. نسف الجهلة الثيران الآشورية المُجنّحة والمنائر الإسلامية. وما زالت السلطات المحلية والجهات الدولية عاجزة عن محو الخراب. ولو سئل العراقي أيهما يفضّل: ثوراً مُجنّحاً يطير ليلتحق بمسلة حمورابي في متحف باريس أم محطات للكهرباء تقيه شواء جلده كل صيف؟ فإن الجواب معروف: «ما الذي يضمن أن ثمن الثور لن يصبّ في جيوب العصابة إياها؟».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو