التنافس الصيني ـ الأميركي: «الحزام والطريق» مقابل «إعادة بناء العالم»

التنافس الصيني ـ الأميركي: «الحزام والطريق» مقابل «إعادة بناء العالم»

الجمعة - 15 ذو القعدة 1442 هـ - 25 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15550]
د. ثامر محمود العاني
مدير إدارة العلاقات الاقتصادية بجامعة الدول العربية - أستاذ الاقتصاد القياسي بجامعة بغداد سابقاً

اختتمت قمة مجموعة الدول الصناعية الكبرى التي عُقدت خلال الفترة من 11 إلى 13 يونيو (حزيران) في كورنوال البريطانية، أعمالها، وأصدرت بياناً يتناول إنشاء صندوق البنى التحتية العالمي لإعادة بناء العالم بشكل أفضل، والذي سيكون أكثر إنصافاً بكثير من مبادرة الحزام والطريق، حسبما جاء في بيان مجموعة السبع.
يرى المحلل السياسي والخبير في الشأن الصيني مايكل شومان، مؤلف كتابَي «قوة عظمى غير مستمرة: التاريخ الصيني للعالم» و«المعجزة: القصة الملحمية لبحث آسيا عن الثروة»، أن تصاعد التحدي الصيني كان الدافع وراء سعي أميركا لإصلاح سياستها الاقتصادية بما يضمن استمرار التفوق الأميركي العالمي. ومن الجدير بالإشارة أن الصين تميزت بشكل واضح في السنوات الأخيرة، إذ تحتل المركز الثاني في الاقتصاد العالمي والمركز الأول في التجارة وحجم الاستثمارات، لذا كانت الصين موضع اهتمام قمة مجموعة الدول الصناعية، إذ أكد البيان الختامي للقمة أن «النفوذ المتنامي للصين وسياستها الدولية تشكلان تحديات يتعين علينا التعامل معها... وسنتفاعل مع الصين من منطلق الدفاع عن المصالح الأمنية والاقتصادية للحلف».
وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى قانون الإبداع والمنافسة الأميركي بوصفه مؤشراً على التغيير الإيجابي في السياسة الاقتصادية الأميركية، ويُعرف هذا القانون باسم «قانون الصين»، إذ يمكن القول إن الصين كانت السبب وراء تشريع القانون، الذي يحاكي النموذج الاقتصادي الصيني، حيث قامت أميركا بإنشاء صندوق حكومي برأسمال 250 مليار دولار لتمويل الأبحاث العلمية ودعم أشباه الموصلات الكهربائية في أميركا... ولقد نجحت الصين في إظهار أنه من الممكن أن تلعب الدولة دوراً إيجابياً في إدارة الاقتصاد، وهو ما يتناقض مع الأفكار الاقتصادية الرأسمالية الأميركية التي لا تؤمن بدور الدولة الاقتصادي الفاعل.
وفي إطار التنافس الاقتصادي الدولي بين الصين وأميركا، تقدمت الصين عام 2014 بمبادرتين في الذكرى العاشرة لتأسيس منتدى التعاون العربي الصيني في الدورة السادسة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني، تركزان على بناء حزام اقتصادي حول طريق الحرير القديم مع إنشاء طريق البخور البحري للقرن الحادي والعشرين، فيما تُعرفان بمبادرتي «الحزام» و«الطريق». جاءت المبادرتان من أجل تعميق التعاون الاقتصادي بين الدول المطلة على حزام الطريق، والتي تضم بلدان آسيا الوسطى، وروسيا، وجنوب آسيا، وجنوب شرقي آسيا، وكذلك منطقتي الشرق الأوسط وشرقي أفريقيا، وفي قلبها العالم العربي، بوصفه ملتقى «الحزام» و«الطريق».
في إطار هاتين المبادرتين، يجب الالتزام بالتعاون في مجال الطاقة، واتخاذ مجالي البنية التحتية وتسهيل التجارة والاستثمارات جناحين لتعزيز التعاون العربي الصيني، والارتقاء بمستوى التعاون في ثلاثة مجالات ذات تكنولوجيا متقدمة، كنقاط اختراق تشمل الطاقة النووية والفضاء والأقمار الصناعية والطاقة المتجددة.
وقامت الصين بتأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية لتطوير طريق الحرير التاريخي الذي يربط الصين بأوروبا تجارياً عبر آسيا الوسطى والغربية، والذي انضمت إليه نحو 50 دولة من بينها 19 دولة عربية. والبنك الآسيوي مؤسسة مالية دولية، أُنشئت بمبادرة صينية، يقع مقرها الرئيسي في بكين، ويمثل البنك مؤسسة مالية بجانب كل من الصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبنك التنمية الآسيوي، ويتميز عن هذه المؤسسات المالية باهتمامه بمشاريع البنية التحتية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ويهدف إلى تعزيز التعاون المالي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتمويل مشاريع البنية التحتية المختلفة في آسيا من بناء الطرق والمطارات إلى أجهزة الاتصالات والمساكن ذات التكلفة المنخفضة.
يعد مشروع مبادرة الحزام والطريق (المبادرة التي تقدم بها الرئيس الصيني عام 2013) من أكبر المشاريع الاقتصادية على مستوى العالم، كمشروع اقتصادي وسياسي واستراتيجي شامل يهدف إلى إبراز القوة الاقتصادية للصين على مستوى العالم ويحقق العديد من الأهداف الاستراتيجية الأخرى للصين. وعلى الرغم من الجوانب الإيجابية لهذا المشروع والذي يهدف إلى ربط الصين بأوروبا والأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية للمشروع على المستوى العالمي والأبعاد الاقتصادية الكبيرة، والذي يهدف إلى إيصال المنتجات الصينية الرخيصة للأسواق الأوروبية والعالمية... فإن هذا المشروع سيصطدم بعدة عقبات كبيرة تعيق تنفيذه أو ستؤدي إلى إضعاف دوره المرسوم حاضراً أو مستقبلاً، بسبب وجود عدد من المشكلات التي ستعترض تنفيذ المشروع خلال مرحلة التنفيذ أو بعدها ربما ستؤدي إلى إضعاف الأهداف الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية والتي تهدف الصين للحصول عليها من وراء تنفيذ المشروع.
إن الصين تهدف منذ فترة طويلة إلى أن يكون لها دور أكبر في رسم السياسة الدولية من خلال انتهاج نمط معين من السياسات، وإنها تشعر بأنها لم تتمكن من ممارسة الدور الذي يتلاءم مع حجمها وعدد سكانها وحجم مشاركتها في الاقتصاد العالمي، وإنها تهدف من خلال تنفيذ المشروع في الجانب الاقتصادي إلى إحياء طريق الحرير وإيجاد الأسواق الكبيرة لمنتجاتها الرخيصة قليلة التكلفة وإيصالها للأسواق الأوروبية والمحطات التجارية والتي يمر بها الخط التجاري... وفي الجانب السياسي والاستراتيجي، فإن الصين تسعى منذ فترة للظهور بمظهر الدول العظمى ومنافسة الدول الكبرى مثل أميركا وروسيا والاتحاد الأوروبي، واستخدام وفرة ورخص الإنتاج لأهداف استراتيجية وسياسية على مستوى العالم وفرض نفوذها على العالم.
تعد أميركا من أبرز العوائق التي ستعيق تنفيذ هذا المشروع، حيث إنه سيؤدي إلى ازدياد هيمنة الصين على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا، مما سيؤدي إلى إضعاف الدور الأميركي في العالم، ولهذا السبب أصرت أميركا في قمة مجموعة الدول الصناعية الكبرى التي عُقدت في كورنوال البريطانية على إنشاء صندوق البنى التحتية العالمي لإعادة بناء العالم مقابل مبادرة الحزام والطريق، وبناءً على ذلك أرى أن الصراع القادم سيكون تنافس اقتصادي بين أميركا والصين بعيدا عن الصراع العسكري بينهما، لأنه خيار مكلف جدا للطرفين في ظل التطورات الاقتصادية والسياسية والصحية وغيرها التي تسود العالم.
* مدير إدارة العلاقات الاقتصادية بجامعة الدول العربية - أستاذ الاقتصاد القياسي بجامعة بغداد سابقاً


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة