سيف الإسلام القذافي يطفو مجدداً

سيف الإسلام القذافي يطفو مجدداً

الأربعاء - 6 ذو القعدة 1442 هـ - 16 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15541]

بعد فترة اختفاء طويل عن الأسماع والأنظار معاً، أطلّ علينا، في آخر الأسبوع الماضي، سيف الإسلام القذافي، من خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة بريطانية. المقابلة غريبة حقاً. فالمراسل، كما ذكر، تحدث مع نجل القذافي هاتفياً من تونس لأمرين: الأول ليتأكد من أنّه بخير. والثاني ليؤكد صحة هوّيات الأشخاص الذين ينوبون عنه. ومن خلالها عرفنا نحن أن السيد سيف الإسلام بصحة جيدة، وأنّه، وهو الأهمّ، يعدّ العُدّة للترشح للانتخابات الليبية الرئاسية المقبلة، المقررة في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2021.
عودة سيف الإسلام القذافي إلى الطفو، فجأة، على سطح الأحداث، والكشف عن طموحه السياسي في اعتلاء كرسي الرئاسة، ليس جديداً، وإن كان آخر ما تحتاجه ساحة سياسية متشظية، ومنخورة بالفساد وبالفوضى، وغياب الأمن. ربما يقول البعض من أنصاره إن هذه الأسباب تحديداً مدعاة لعودته، على أعتبار أنه، في رأيهم، سيكون المنقذَ والمُخلّصَ من الفوضى. لكني شخصياً لن أجازف بشراء ما يبيعون من أوهام.
وهذا لا يعني أن عودته، إن صحّت، غير مُرحّب بها. فأنصار العقيد القذافي ما زالوا أحياء يرزقون، في الداخل والخارج، ويتحينون الفرصة للانقضاض والعودة إلى السيطرة على البلاد والعباد. لكنهم أصيبوا بداء الاختلاف فانقسموا فيما بينهم. فريق يقف مع سيف ويدعمه. وفريق يرفضه ويناصر شخصيات قيادية أخرى. وعلى ما أعتقد، فإن المرحّبين منهم بعودة ظهور سيف وإعلانه الترشح لا يمثلون الأغلبية بينهم. لكن كل ذلك، لا يعني أن أنصار العقيد القذافي غير قادرين على تجاوز خلافاتهم والوقوف صفاً واحداً خلف سيف. هناك أيضاً نسبة من الليبيين تتزايد أعدادهم باستمرار من المصابين بداء النوستالجيا، أو الحنين إلى الماضي، حيث ساد الاستقرار والأمن والقمع في آن، بهدف الهروب من فوضى الواقع واختلالاته الأمنية والمعيشية بعد فبراير (شباط) 2011.
وفي الصفّ غير المُرحب والمعارض يقف ممثلو القوى المستفيدة من الأوضاع السائدة اقتصادياً وسياسياً، وقيادات الجماعات إسلاموية التوجه على اختلافهم، مضافاً إليهم المستضعفون سياسياً خلال حكم القذافي، وأهالي آلاف الضحايا، ومن سُلبت أموالهم واغتصبت أملاكهم، والذين هُجّروا من بلدهم، والذين اختاروا العيش في المنافي.
وفي انتظار عودته، ستكون هناك مذكرتان بالقبض: واحدة صادرة عن النائب العام في ليبيا. وأخرى صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. وهذه الأخيرة قال السيد سيف، في المقابلة، إنه غير مبالٍ بها، ومن الممكن أن تتعرض «للركن». وهو أمر محتمل، رغم صعوبته.
الدول الكبرى تختلف في مواقفها من سيف الإسلام ومن عودته إلى الظهور على خشبة المسرح السياسي. لندن حافظت على الإبقاء على مسافة بينها وبينه. وموسكو تدعمه بقوة، وتؤيد عودته لليبيا والترشح للرئاسة. هذا الدعم الروسي تحديداً سيشكل عائقاً أمام واشنطن للقبول بعودته. وباريس ألقت، منذ زمن، بثقلها وراء المشير حفتر. ولا وجود لمكان لعودته على أجندة حكومة روما. كما أن حظوظه في القبول عربياً وإقليمياً ليس بالأفضل. السيد سيف الإسلام لم يتعرض في المقابلة إلى العوائق الخارجية، مثل حرصه على ذكر خصومه السياسيين محلياً، والذين قال ممثلوه إنهم يحاولون منعه من الترشح للانتخابات، بسعيهم لإضافة بند لقانون الانتخابات يجعل أمر ترشحه مستحيلاً. وهو للسبب ذاته، حسب زعمهم، يحجم عن الإعلان عن الترشح إلى حين صدور القانون المذكور. وأضافوا أن السيد سيف القذافي بدأ منذ فترة في التواصل مع كثير من الشخصيات الدبلوماسية الغربية وغيرهم، بهدف بناء جسور جديدة مع بلدانهم قد تعينه مستقبلاً على الوصول إلى الهدف. إلى جانب ما يقوم به فريق من المساعدين له من جهود في مختلف الساحات، خصوصاً مع وسائل الإعلام العالمية. المقابلة لدى نشرها في الصحيفة تناقلتها وسائل الإعلام، وفي اليوم نفسه صدر تكذيب واستهجان واستنكار من بعض مواقع التواصل الاجتماعي الليبية المؤيدة للقذافي. وبعضها ذكر أن المكالمة الهاتفية بين سيف والمراسل تمت منذ عدة أشهر ماضية، ولأسباب أخرى. أضف إلى ذلك أن صحيفة «اليوم السابع» المصرية نشرت خبراً في اليوم التالي يتعلق بتكذيب أصدره محامٍ يدعى خالد الزائدي قالت إنه ممثل سيف الإسلام القانوني، نفى فيه حدوث المقابلة، مشيراً إلى أنه «كانت (هناك) محاولات لترتيب إجراء مقابلة في يناير (كانون الثاني) 2020 مع صحافي يعمل بوكالة (بلومبرغ) الأميركية بخصوص الأوضاع السياسية والتطورات حينها ولم تتم».
كما نشرت وكالة «سبوتنيك» الإخبارية الروسية على موقعها باللغة العربية تكذيباً لحدوث المقابلة من خلال مصدر، طلب عدم ذكر اسمه، وقال إنه مقرّب من سيف الإسلام القذافي وعلى شبه تواصل يومي معه.
التشكيك في فبركة المقابلة من الألف إلى الياء أمر خارج نطاق التوقع لمصداقية الصحيفة. وأمر ظهورها الآن وفي هذه المرحلة، وعلى بعد أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، أراه من وجهة نظري تأكيداً على صحتها، وأن التكذيب قد لا يخرج عن سيناريو صمم لخلق ضجة إعلامية دعائية مقصودة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة