غزة التي عليها أن تطالع كتاب فقه الأولويات!

غزة التي عليها أن تطالع كتاب فقه الأولويات!

الخميس - 22 شوال 1442 هـ - 03 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15528]
سليمان جودة
صحافي وكاتب مصري

بين الكثير من الصور المنشورة في شتى الموضوعات، تجد نفسك أحياناً أمام صورة لا تستطيع أن تشرحها، ولا أن تتحدث عن زواياها، أو حتى تتكلم عن معانيها الكامنة والظاهرة، فكل ذلك قد يفسدها ولا يضيف إليها شيئاً في كتاب الشرح والتفسير!
وقد كانت الصورة المنشورة في صدر الصفحة الأولى من «الشرق الأوسط» صباح الثلاثاء أول من أمس، في المقدمة من هذه الصور التي أقصدها وأشير إليها!
في الصورة يظهر يحيى السنوار، رئيس حركة حماس في قطاع غزة، وهو يحتضن الوزير عباس كامل، رئيس المخابرات المصرية، في مستهل زيارته إلى أرض القطاع قادماً من إسرائيل، بعد زيارة التقى خلالها بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة في تل أبيب!
كان السنوار يحتضن كامل مُرحباً، وكانت معالم الصورة أبلغ من أي كلام، وكانت ملامح الحفاوة في أرجاء المكان تنطق وتقول!
كانت الحفاوة بالضيف المصري تنطق بالكثير، لأنها لم تكن من فراغ، ولكنها كانت تقوم على أساس يعرفه الجميع، وما يعرفه الجميع أن حرباً إسرائيلية قامت على القطاع، وأنها هدمت الكثير من البيوت، وأنها أخذت في طريقها 243 فلسطينياً، وأنها دامت 11 يوماً، وأن يد القاهرة كانت تعمل طول الوقت لإطلاق هدنة دائمة، وإطلاق عملية إعمار تعيد بناء ما انهدم في أثناء الضربات!
وكان الترحيب به يقول ما هو أكثر، لأن الذين تابعوا تطورات الحرب في وقتها يذكرون أن جهد القاهرة في وقفها كان مبادراً ورئيسياً، وأنها بذلت جهدها عن إيمان بعدالة القضية في فلسطين، وعن يقين منها بأن لها دوراً عربياً أشمل لا تستطيع أن تتخلى عنه، ولا أن تتحلل منه، ولا أن تغفل عنه في غمرة انشغالها بقضايا مواطنيها ذات الشأن الداخلي الذي يمس حياة كل مواطن!
ولو شئت أنت لكان في مقدورك أن تضم إلى هذه الصورة صورة أخرى نشرتها «الشرق الأوسط» أيضاً، وفي صدر صفحتها الأولى في ذات المكان قبلها بأيام!
كانت هذه الصورة الأخرى تصور قافلة شاحنات انطلقت بمساعدات مصرية من قاهرة المعز في اتجاه غزة، وكانت الشاحنات تصطف ثلاثة طوابير طويلة في الصورة على مد البصر، وكانت سيارات الإسعاف تتقدمها في المنطقة الواقعة أمام معبر رفح على الحدود!
ولم يكن في القافلة على طولها شيء من معاني المن ولا من معاني الأذى، لأن تاريخ مصر مع القضية في فلسطين، يقول إنها لا تقدم ما تقدمه لها اليوم، ولا قدمت ما قدمته في الأمس، ولا ستقدم ما سوف تقدمه في الغد، على سبيل المن ولا على سبيل الأذى، وإنما على سبيل واجب لا بديل عن تقديمه إلى أشقاء!
وقد شهد الوزير كامل وضع حجر الأساس لمدينة سكنية متكاملة في جنوب غزة، وكان في وضع هذا الحجر مفارقة طافت أمامي تقول، إن هذا القطاع الذي تبادر فيه القاهرة إلى بناء ما هدمته الحرب، هو نفسه القطاع الذي انطلق منه عدد من بين أبنائه عبر الحدود يهدمون في مصر ما تصل إليه أياديهم، وقت ما يسمى الربيع العربي قبل عقد من الزمان!
جرى هذا قبل عشر سنوات، وتفاصيل ما جرى موجودة في محاكمات زمن الربيع، ولكن ما حدث قد حدث وانقضى، وليس مطلوباً استدعاؤه ولا إحياؤه، وإنما المطلوب هو فقط أن نظل نتذكره حتى لا نقع فيه من جديد، وإلا، ما كان الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يجلس على تاريخ!
وليس وضع حجر أساس المدينة الجديدة في غزة سوى عنوان لعملية أوسع وأعرض، هي عملية إعادة الإعمار في القطاع بكامله، لعلَّ أبناءَه يجدون على أرضه من الحياة ما يليق بكل واحد منهم باعتباره في النهاية من بني الإنسان!
كانت النواه في هذه العملية قد رأت النور في العاصمة الفرنسية باريس منتصف الشهر الماضي، عندما كان الرئيس السيسي هناك يحضر مؤتمراً دولياً عن السودان دعت إليه فرنسا، فأطلق مبادرة لإعادة الإعمار معلناً أن مشاركة مصر فيها تصل إلى 500 مليون دولار!
وعندما يكون هذا هو حجم المساهمة من الدولة المصرية، فلا بد أن ذلك سوف يغري بقية عواصم العرب بأن تقدم ما تستطيع أن تقدمه كل عاصمة منها على حدة، وسوف يكون أبناء القضية هُم المستفيدين على المستوى الاقتصادي بالذات، بقدر ما سوف تكون مبادرة مصرية بهذا الحجم مؤشراً على عودة قاهرية إلى القضية لا غنى عنها ولا بديل لها!
ولم تكن عملية الإعمار هي الوحيدة المطروحة على طاولة كامل والسنوار، وإنما كانت إلى جوارها عملية أخرى بالتوازي هي عملية المصالحة بين رام الله وبين غزة، حتى لا يظل الحديث باسم القضية موزعاً بين الضفة في الشرق وبين القطاع في الغرب، فالهدف أن يصبح حديثاً واحداً بلسان واحد، ولغة واحدة، ومطالب واحدة، ودعوات واحدة إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة لها عاصمة اسمها القدس الشرقية!
كان إطلاق العمليتين يتم بالتوازي في أثناء زيارة الضيف المصري الكبير، ولكن ترجمتهما على الأرض لا ينفع فيها التوازي، ولا بد من واحدة تتقدم الأخرى بخطوة وربما بخطوات، ولن تجد عربياً يجادل في أن المصالحة لا مفر من أن تتقدم الإعمار، وأن تأخر الأولى يخصم من رصيد القضية في كل يوم، ويجعل حلها مؤجلاً إلى أن يكون للمصالحة وجود!
إن حركة حماس إذا جلست مع نفسها تستعرض ما سوف يكون عليها أن تنجزه في مرحلة ما بعد الهدنة الحالية، فسوف تجد أمامها الكثير الذي عليها أن تنهض به وتقدمه، ولكن فقه الأولويات الذي تأخذ به المجتمعات الراغبة في فعل شيء جاد، سوف يفرض عليها أن تفاضل بين هذا وبين ذاك من الأهداف، ليس لأن هذا الهدف أهم، ولا لأن ذاك أقل منه في مقام الأهمية، ولكن لأن هدفاً لا بد أن يتقدم على هدف، وإلا، فإن الطريق يتوه منا وتتعثر عليه الخطوات!
ولو أن أحداً توفر على دراسة مسيرة القضية في فلسطين، فسوف يقع على أسباب لا حصر لها وراء تعثر الحل فيها، ولكن غياب المصالحة منذ وقع الانقسام سيكون أول الأسباب!
أتكلم عن مصالحة تختلف عن المصالحة التي ذهب إليها الطرفان في مكة، يوم دعا إليها عام 2007، الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، فهي مصالحة تبخرت سريعاً ولم يطلع عليها نهار، ومن بعدها تكررت محاولات الإصلاح، ولم تكن كل محاولة منها أسعد حظاً من محاولة الرياض في مكة المكرمة!
أتكلم عن مصالحة تقوم لتدوم، لأن هذا ما ينصح به فقه الأولويات، ولأن هذا ما تنتظره القضية من أبنائها وتترقبه، فلا أحد سوف يقدم لها أكثر مما على الأبناء أن يبادروا به وأن يقدموه!
المصالحة هي أصل بكل مقياس، بينما الإعمار على أهميته هو فرع من بين فروع، ولم يحدث أن قام فرع على غير أصل يسبقه، لأن هذا هو منطق الأشياء!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة