من أجل الجثث التي انتشلت

من أجل الجثث التي انتشلت

الأحد - 19 شوال 1442 هـ - 30 مايو 2021 مـ رقم العدد [15524]

نجحت مصر في إقناع إسرائيل والسلطة الفلسطينية في غزة، باتفاق موضوعي يهدف لوقف إطلاق النار بين الطرفين ومنح الفرصة للحوار وتقديم المساعدات.
وتوافرت عدة عناصر شكلت ضغطاً على إسرائيل من أجل إقناعها بقبول وقف إطلاق النار، حيث منحت الدول العربية مصر حق التمثيل الرسمي للموقف العربي الموحد تجاه أهل فلسطين، وتلك لحظة تاريخية لم تحدث منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ولأول مرة تخرج مظاهرات في الولايات المتحدة وفي بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية مؤيدة للحق الفلسطيني، لتشكل ضغطاً على حكوماتها أن توقف دعمها لحكومة نتنياهو، وتدفعه للتوصل إلى اتفاق مع الشعب الفلسطيني لينهي هذه المأساة التاريخية.
تلك مكتسبات دفع ثمنها أكثر من 300 شهيد أغلبهم أطفال ونساء، انتشلت جثثهم من تحت الأنقاض، هم من أجبر المجتمع الدولي أن يضغط على نتنياهو.
أما ما قاله السنوار القائد الحمساوي بأن نتنياهو وافق بسبب صواريخ إيران الباليستية، وأن «حماس» توقفت عن إطلاقها كرامة لعيون قناة «الجزيرة» فذلك كلام لا يمكن تسويقه إلا لمشاهدي «الجزيرة»!
نتنياهو توقف بسبب إيغاله في العنف ووحشيته التي أخذ الضوء الأخضر لها، بحجة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها فأوغل في استخدامها حتى أحرج مؤيديه.
بقي الآن أن ينجح الفلسطينيون في تحويل مسار المفاوضات في المرحلة المقبلة لخدمة القضية التي أعيد إحياؤها، إنما بربط المفاوضات بالقاعدة الشعبية الفلسطينية لا بالقيادات الحالية، منحِّين جانباً قيادات القطاعين وبقية الفصائل.
فلأول مرة وهذا أهم ما في الموضوع يتوحد الشعب الفلسطيني متجاوزاً زعماء فصائله، فلسطينيو غزة مع فلسطينيي الضفة مع عرب إسرائيل والفلسطينيين الذين في الشتات، كانوا هم المتحدث الرسمي للشعب الفلسطيني.
توحُّد القاعدة الفلسطينية الشعبية كان أهم المكتسبات على مستوى القضية الفلسطينية، فبتلك الأصوات مجهولة الأسماء اقتنع العالم بمعاناة من هم في الداخل وحقهم في تقرير مصيرهم، ووسمت إسرائيل بالعنصرية وتوصيف وضعها بالاحتلال.
ألا يستحق هؤلاء الأطفال الذين استخرجت جثثهم من تحت الإنقاذ على الأقل، أن نمنحهم التفويض للتحدث باسم الشعب الفلسطيني؟
أما آن أن تتراجع قيادات الأحزاب والفصائل عن التصدر للقضية وتجري انتخابات لا تتدخل فيها الفتحاوية أو الحمساوية أو قيادات الفصائل الأخرى؟ ألم يكفهم التكسب؟ امنحوا الفرصة للجيل الجديد الذي كسب احترام العالم، ويستطيع أن يبني على المكتسبات التي حققها منتهزاً فرصة قد لا تتكرر في القريب. ذلك ما قاله نبيل عمرو وزير الثقافة السابق في السلطة الفلسطينية، بمعنى أن هذا الرأي وصل إلى عقر دار قيادات الفصائل وخرج من الغرف المغلقة.
لذلك كله إن أرادت الدول العربية مساعدة الشعب الفلسطيني فعليها تجاوز قادة الفصائل فقد تكسبوا منها بما فيه الكفاية، وكذلك تجاوز الحراك الحزبي الذي تحول مع الأسف من حراك عفوي مؤمن بحق الشعب الفلسطيني بأرضه، إلى حراك حزبي إخواني يتضامن مع القيادة الحمساوية لأغراض تخدم الأجندة الحزبية بعيداً عن مصلحة الشعب الفلسطيني.
من وجهة نظري إذا أريد للدول العربية أن تسهم في مساعدة هذا الشعب لنيل حقه المشروع في إقامة دولته المستقلة، فعليها أن تسهم في دفع القيادات الفلسطينية الحالية لتفسح المجال للعديد من القدرات الفلسطينية الشابة كشرط من شروط الدعم، وأن ترهن دعمها بشرط تخلي قيادات الفصائل عن موقعها، وترك مسألة التفاوض وتمثيلها في الخارج لقيادات فلسطينية شابة تعرف الواقع وموجودة في حدود الدولة التي يراد لها أن تتأسس، فهي أكثر من يلمس الواقع.
إن أردنا أن نساعد الفلسطينيين فعلينا أن نرهن تلك المساعدة بحلحلة فعلية في فريق المفاوضات، بعد أن يختار الفلسطينيون قياداتهم من دون ترهيب ومن دون تخوين ومن دون سلاح على رقابهم من ذلك الفصيل أو غيره، فالقمع والإرهاب الذي تمارسه حماس على سكان غزة يفوق يتسم بالوحشية.
إن أردنا مساعدة الفلسطينيين سياسياً ودبلوماسياً فعلينا أن نرهن ذلك بشروط تخليها عن المحور الإيراني، أما المساعدات المادية فلتقدم للفلسطينيين مباشرة لا للقيادات في القطاعين، كما تفعل مصر الآن، مساعدات عينية تقدم مباشرة للناس.
من أجل جثث الأطفال التي انتشلت علينا حصر التعاون مع من يجرؤ أن يتحدث باسمهم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو