شرق وغرب!

شرق وغرب!

الأحد - 18 شوال 1442 هـ - 30 مايو 2021 مـ رقم العدد [15524]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

تزداد القناعات السياسية في دوائر صناعة القرار في المعسكر الغربي عموماً وفي الولايات المتحدة تحديداً، بوجود أدلة كافية عن سيناريو يفسر ملامح أسباب نشأة وبالتالي انتشار جائحة «كوفيد - 19» الفتاكة والمدمرة، وهو السيناريو الذي يتركز حول فكرة تحميل الصين مسؤولية تسرب الفيروس من أحد مختبراتها في مدينة ووهان، والصمت لفترة غير قليلة عن المرض وانتشاره فيها، وذلك مع إصرار إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن على توثيق هذا السيناريو لإعداد الخطوات اللاحقة، بطلبها من وكالة الاستخبارات المركزية لإعداد تقريرها النهائي عن سبب انتشار الجائحة من وجهة نظر استخباراتية أمنية. ولعل أبلغ وصف للأرضية التي يجري الإعداد لها هو ما وصفه أحد المعلقين السياسيين بقوله «انتظروا انتقام الرجل الأبيض».
اليوم هناك جردة كاملة للأضرار التي تكبدها العالم عموماً والغرب تحديداً والخسائر في أعداد البشر والفاتورة الاقتصادية الباهظة التي تحملها وذلك مقابل الحدود الدنيا من الخسائر التي تكبدتها الصين، وهي التي تمكنت من تحقيق نمو لاقتصادها وعادت إلى الحياة الطبيعية تماماً في زمن قياسي للغاية.
يقارن البعض وضع الصين في مواجهة الغرب مع وضع الاتحاد السوفياتي السابق قبل سقوطه وانهياره تماماً، ولكن خطوط المعسكر اليميني وفي مقابله المعسكر اليساري كانت شديدة الوضوح ولا لبس أو تقاطع أو تشابه بينهما. وهذا ما لا يمكن الجزم به اليوم. فالصين هي رسمياً دولة شيوعية يحكمها الحزب الشيوعي، مثلها مثل كوبا وفيتنام وكوريا الشمالية، إلا أن الصين في ظاهرها تطبق سياسات السوق الرأسمالية بشكل يفوق كثيرا من دول المعسكر الغربي، وهي المسألة التي لم تكن متوفرة في حالة الاتحاد السوفياتي. وكذلك الحال بالنسبة لحالتي اليسار واليمين فيما يخص حالتي الحزبين الحاكمين في الولايات المتحدة بالنسبة لكل من الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. فالحزب الديمقراطي توغلت فيه الاشتراكية بشكل معمق منذ وصول إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما إليه وأصبح اهتمامه منصباً على قضايا مثيرة للجدل على حساب الاقتصاد والاعتدال الاجتماعي، وهو بذلك يختلف كثيراً عن حقبة الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون على سبيل المثال أو حتى جيمي كارتر.
الشيء نفسه من الممكن أن يقال عن الحزب الجمهوري، الذي شهد تألقه وإنجازاته الاستثنائية في حقبة كل من الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان وخلفه الرئيس جورج بوش الأب، وبدأت هذه المنظومة تتغير وبقوة في عهد جورج بوش الابن الذي اختطفت إدارته مجموعة عقائدية متطرفة عرفت بالمحافظين الجدد، وهي التي خلفت سياسات مثيرة للجدل بشكل لا يمكن إنكاره ولا الإقلال منه، وصولاً إلى حقبة الرئيس السابق دونالد ترمب صاحب المواقف الجدلية، التي تركت إرثاً أثر سلبياً ليس في المجتمع الأميركي بشكل عام فحسب ولكن داخل الحزب الجمهوري نفسه، الذي طالته الانشقاقات والتكتلات المتضاربة.
صعود الشعبوية وبروز التطرف الوطني وظهور العنصرية وخطابات الكراهية مجدداً مع التهديد المتعاظم للصين ضد الغرب عموماً، ساهمت في انهيار منظومة العولمة الاقتصادية، وبات هناك حالة بديلة كما يطلق عليها مؤيدوها باللاعولمة، كل هذا أجبر ساسة الغرب إلى إعادة النظر فيما يؤسس للنهج السياسي الذي ستتطلبه المواجهات القادمة مع الصين تحديداً. ومن المهم هنا توضيح أن الغرب قد حسم أمره باعتبار الصين الخطر الأكثر تهديداً له وليس روسيا على سبيل المثال، فروسيا تعتبر بالنسبة للغرب عنصراً مشاغباً ومزعجاً يهدد المنظومة الأمنية للغرب عموماً باختراقاته الأمنية المستمرة وتهديده للشخصيات المعارضة. أما من حيث الجوانب الاقتصادية، فالغرب لا يخشى روسيا، لأنه يعتبر اقتصادها هشاً وصغيراً وهو أصغر حجماً من الاقتصاد الإيطالي على سبيل المثال، وإن كان ينظر بجدية لقدرات الروس العسكرية وكونها منافساً مهملاً في سوق الدفاع والسلاح الكبير، وكذلك الأمر بالنسبة لسوق الطاقة والغاز.
إلا أن الصين الشيوعية التي تتحكم فيها هذه الأيام رأسمالية واضحة تواجه الولايات المتحدة أم الرأسمالية في العالم والتي تدار حالياً بإدارة يغلب عليها النفس الاشتراكي، وهي مواجهة سيكتب فيها التاريخ كلمته بشكل ساخر.
هناك قصيدة شهيرة جداً في الأدبيات الغربية للشاعر روديارد كيبلينغ تقول: «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقي الاثنان». في الاقتصاد أثبتت الأيام عدم دقة هذه الكلمات!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة