شيخ قبيلة «بتكوين» وعدوها

شيخ قبيلة «بتكوين» وعدوها

الاثنين - 12 شوال 1442 هـ - 24 مايو 2021 مـ رقم العدد [15518]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية

يعد الاقتصادي باول كروغمان، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2008، أحد أكبر المنتقدين للعملات الرقمية، وعملة «بتكوين» تحديداً، وطالما شكك كروغمان في استمرارية بتكوين وصمودها، وهو صاحب العبارة الشهيرة: «أعطني مشكلة اقتصادية واحدة يكمن حلها في بتكوين». إلا أنه صرح، الأسبوع الماضي، بأنه تنازل عن فكرة انتهاء هذه العملة، موضحاً أنها أقرب ما تكون للطائفة أو القبيلة، في وجود مجموعة من المستثمرين المتعصبين لها دون سبب واضح، ودون رابط فيما بينهم إلا استثمارهم في هذه العملات؛ وجود هذه الطائفة سيجعل من الصعب انقراض هذه العملة لدعمهم المستمر لها.
والمتأمل في كثير من المستثمرين في العملات الرقمية، يجد فيهم هذا التعصب تجاهها، وقد التفتت إحدى الدراسات مؤخراً إلى هذا التعصب، واصفة إياهم بـ«المؤمنون بطائفة بتكوين». وقد وجدت هذه الدراسة أن المتعصبين لهذه العملة دائماً ما يحذر بعضهم بعضاً من الاستماع لنصائح الأهل أو الأصدقاء عن الاستثمار في بتكوين، وأنه كلما زاد الانتقاد للعملات الرقمية زاد حبهم لها واستثمارهم فيها. ونسبت الدراسة استحداث العملة الرقمية إلى أزمة عام 2008 المالية التي أضرت بكثير من الناس حول العالم، ليبدأ بعدها التشكيك في البنوك المركزية والاقتصاد الحديث والنظام العالمي النقدي، مبررة هذا الربط بانطلاقة تلك العملة في العام التالي لهذه الأزمة.
وكأي طائفة أو قبيلة، كانت بتكوين دائماً في حاجة إلى قائد أو «شيخ» يلتفون حوله، وطوال السنوات الماضية ارتبطت بتكوين بالياباني ساتوشي ناكاموتو، وهو الشخصية التي لا يعرف أحد حتى الآن مدى صحة وجودها. إلا أن الفترة الأخيرة شهدت ارتباطاً وثيقاً بين بتكوين وإيلون ماسك، مالك مؤسس شركة «تيسلا». فقد أبدى الملياردير الأميركي اهتماماً واضحاً بالعملة الرقمية جعله أقرب للبطل أو القائد في عيون كثير من المستثمرين في بتكوين. ويمكن ذكر 3 حوادث ربطت ماسك بشكل مباشر ببتكوين، وجعلته الشخص الأكثر تأثيراً على هذه العملة: الأولى حين أضاف وسم بتكوين في تعريف حسابه على شبكة «تويتر»، هذه الإضافة التي زادت من سعر بتكوين 20 في المائة في يوم واحد! أما الثانية فحين أعلن ماسك عن شراء شركة «تيسلا» عملات بتكوين بقيمة مليار ونصف المليار دولار، رافعاً سعر العملة الرقمية 16 في المائة في ذلك اليوم! والثالثة حين أعلنت «تيسلا» عن قبولها عملات بتكوين لشراء سياراتها.
ولكن ماسك شخص متقلب، يقول عن نفسه: «لقد أعدت اختراع السيارات الكهربائية، وأرسل البشر إلى المريخ، هل تتوقع من شخص مثلي أن يكون هادئاً عادياً؟». لذلك قرر ماسك، بداية من هذا الشهر، عدم قبول بتكوين عملة لشراء «تيسلا» بسبب أنها تستهلك طاقة عالية للتعدين، وهي طاقة مستخرجة من الوقود الأحفوري، على حد تعبيره؛ يومها هبطت أسعار بتكوين 10 في المائة، واستمرت في الانخفاض بشكل مستمر إلى نهاية الأسبوع الماضي.
وحين بدأ اهتمام ماسك بالعملة، بوضعه وسمها في حسابه على «تويتر» في يناير (كانون الثاني) من هذا العام، كان سعر بتكوين 35 ألف دولار؛ أما حين اشترت «تيسلا» 1.5 مليار دولار في بتكوين، كان السعر 45 ألف دولار، ثم استمر السعر في الارتفاع إلى نحو 63 ألف دولار؛ وحين أعلن عن عدم قبول بتكوين لشراء «تيسلا»، كان السعر 55 ألف دولار، لينخفض بعدها إلى نحو 33 ألف دولار؛ أي أنها عادت إلى ما كانت عليه قبل بداية اهتمام ماسك.
لقد تحول ماسك من شيخ قبيلة بتكوين إلى عدوها، وبدا للجميع أنه استفاد مما حدث لهذه العملة خلال الأشهر الماضية. ولم يخفِ مستثمرو بتكوين بغضهم لماسك بعد تخليه عن هذه العملة، على الرغم من تصريحه بدعم العملات الرقمية، وعدم نية «تيسلا» بيع العملات التي اشترتها الفترة الماضية. وما انتقده كثير من ملاك بتكوين هو عذره الواهي باستهلاك عملية تعدين بتكوين لطاقة عالية، بينما تزامن تصريحه مع تحذير الصين لمؤسساتها المالية من قبول العملات الرقمية في عمليات الشراء، إضافة إلى نيتها تنظيم عملية التعدين التي تستهلك طاقة عالية، والصين تشكل 30 في المائة من مبيعات «تيسلا»! كما تزامن تصريحه مع تلميحات السلطات الأميركية بتنظيم عمليات التعدين والشراء بالعملات الرقمية. جاءت كل هذه الأحداث تباعاً لتجعل أسعار بتكوين تتهاوى، وهذه ليست المرة الأولى التي تحدث لبتكوين، وبالتأكيد ليست الأخيرة!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة