مبادرتا العلاج الشافي... بأي ذنب وأْدهما

مبادرتا العلاج الشافي... بأي ذنب وأْدهما

الأحد - 4 شوال 1442 هـ - 16 مايو 2021 مـ رقم العدد [15510]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

ثمة ما يجمع بين أحدث المبادرات التي يشكِّل الأخذ بها علاجاً بجرعات للقضايا العالقة التي تؤرق الأوطان وتنغِّص على الناس حياتهم، ونعني بها مبادرة البطريرك الراعي التي طرحها يوم الاثنين 17 أغسطس (آب) 2020 من على شرفة المقر الروحي للطائفة المارونية، وتلك المبادرة التي طرحها الملك عبد الله بن عبد العزيز استئناساً بمشروع أخيه الملك فهد (رحمة الله عليهما) في القمة العربية في فاس، خلال انعقاد القمة العربية الدورية في بيروت يوم 27 مارس (آذار) 2002 وتم إعلان القبول بها من جانب الحاضرين.
لم يأتِ طرْح المبادرتيْن لتسجيل مواقف، ذلك أن الموضوع في الحالتيْن بالغ الخطورة، ووصل إلى حد أنه لا بد من اقتحام المسألتيْن: اللبنانية والفلسطينية - الإسرائيلية، وطرْح بدائل لوسائل علاج مضت تُراوح بالنسبة إلى الحالتيْن بين الحرب الأهلية أكثر من مرة، هذا في لبنان، والحرب المفتوحة في أي خطوة غير محسوبة على كل الاحتمالات وبأي وسائل متيسرة، بين الفلسطيني صاحب الحق، والإسرائيلي سالب هذا الحق، وبينهما المجتمع الدولي المنحاز في استمرار إلى الذي سلب.
ما أصاب مبادرة البطريرك الراعي أن المجتمع اللبناني بجناحيْه الروحي والسياسي لم يحتضنها بأصول الاحتضان لقضية وطنية. وكان الذبول وارد الاحتمال يصيبها لولا استمرار البطريرك الراعي في إرواء جوهرها الذي هو حياد الوطن المثخن بأسنة رماح بعض أُولي الأمر، ويتم هذا الإرواء لدى استقباله مبعوثين أو شخصيات من المجتمع المدني، فضلاً على تضمين عظة يوم الأحد ما يشبه إرواء هذه المبادرة لكي تبقى على نداوتها ويتواصل بالتالي نموها، بأمل أن تورق وتثمر ويكون الجني منها طمأنينة غير مشوبة بالتكاذب.
وثمة نقطة بالغة الأهمية حققتْها هذه المبادرة، ذلك أن أكثرية اللبنانيين المصدومين من إدارة أهل الحُكْم لشؤون الوطن باتوا، مسلمين ومسيحيين، ينتظرون عظة الراعي، وفي بالهم أنه سينقل إليهم الخبر اليقين.
ومع أن الأمل المنشود من المبادرة ما زال في علم الغيب، وأنها تقاوم من خلال صاحبها وجمهوره المسيحي - المسلم العريض محاولة تبهيتها في الحد الأدنى ووأدها كما يريد لها ذلك العابثون بمصائر الوطن، إلا أنها باقية كصيغة حل تشق طريقها إلى التنفيذ... إنما بعد أن يوقِف ظلم ذوي الصداقة ظُلْمهم ويخصون المعضلة اللبنانية برمشة عين من الاهتمام تليها التفاتة تساعد في تبديل أمور الوطن والمواطنين وبالتدرج من الحال السيئ إلى الحال الأقل سوءاً. وتتجاوز المبادرة بصورة نهائية احتمال الوأد وتبقى حية آمنة الاستمرار في رحاب صاحبها.
ما يقال في شأن مبادرة البطريرك يندرج على المبادرة العربية التي صيغت بكل التأني آخذاً مضمونها في الاعتبار توازُن كفتي الميزان لجهة الربح والخسارة وتكافؤ الفرص: فرصة أن تبقى إسرائيل دولة ذات نظام غير عدواني يدير شأن شعبها الذي هو خلطة شتاتية لا مثيل لها، مجاوراً الشعب الأصيل يعيش في دولة مماثلة. لا يعتدي أحد على الآخر. هل يمد القدس اليد للذين في تل أبيب تصافحها مصافحة الجار للجار لا فضل لفلسطيني على يهودي إلا بالهداية والتعامل بما يرضي الشرائع السماوية؟ وأما الدين فلله فيما الوطن بجناحيْه الفلسطيني والإسرائيلي للمقيمين على الأرض.
مثل هذه الأمور كان تحقيقها يستوجب تبنِّي أميركا للمبادرة العربية من خلال موقف منصف وتشجيع منزه عن الظلم وليس القفز فوقها، إدارة تزايد على إدارة، وتبلغ المزايدة ذروتها في عهد إدارة الرئيس ترمب الذي ليس فقط لم يعطِ المبادرة المنصفة اهتمامه، وإنما قوَّضها بإهداء القدس التي هي نقطة البداية والنهاية في التسوية المرتضاة من الأمتيْن، للمشروع الصهيوني وكأنما مدينة المدائن بحرمها الثالث المسجد الأقصى وكنيسة القيامة من مشاع تلك الإدارة. أميركا هذه تتعامل مع أصدقائها بعدة أوْجه ليس في أي منها ما يُطمئن الصديق أو الحليف، لعل أميركا التي ملأت العالم ضجيجاً وتلاعباً ببعض الثوابت تلغي في عهد إدارتها الحالية وثيقة ترمب التي أعلن فيها مبتهجاً القدس عاصمة لإسرائيل. ولماذا لا يتم الإلغاء؟ أليست إدارة الرئيس بايدن شرعت ومنذ شهرها الأول بإلغاءات وتعديلات؟ ومن المؤكد أن الإلغاء المأمول في ضوء ما هو حاصل في الأراضي الفلسطينية سيشكل بعض التهدئة.
لم تأتِ المبادرة العربية في حينه من طرف ثوري. لا من الرئيس صدَّام حسين ولا من الرئيس معمَّر القذافي، لكي تُرفض أو لا تعار الاهتمام. ولم تأتِ حافلة بمفردات التهديد والاشتراطات وإنما بكل آداب التخاطب وعقلانية الرؤية ووضوح معالم الطريق الخالية من الحُفر الثورية.. جاءت متزنة ولا تحرج القابل بها... إنما إذا كان هذا القابل سليم النية واضح الرؤية لا شراهة في نفسه بل ولا أطماع، يروم وصلاً بحصة من أرض ينصب خيمته أو أبراجه عليها كتلك الأبراج الغزاوية التي ساوتها بالأرض معالجة منقوصة الشجاعة من جانب رئيس حكومة ليكودي مرتجف ومسكون بالخشية من أن يؤدي به فقدان كرسي رئاسة الحكومة إلى السجن.
إذا كانت أميركا بجناحيها الديمقراطي المرفرف حالياً والجمهوري المهيض إلى حين، حريصة على سلامة دولة إسرائيل واستقرار اليهود الذين هم شعب مستحدَث على أرض فلسطين العربية منذ عام 1948 وبموجب وعد قابل للتفسير القانوني، كونه يزول بزوال حقبة بريطانيا، الدولة التي كانت باسطة ظلها من دون وجه حق على أوطان آخرين، ثم جيَّرت فلسطين من دون غيرها من هذه الأوطان إلى غير أصحابها... إذا كانت أميركا ضمناً على النحو الذي نشير إليه، فإن أكثر النصائح نفعاً هي أن يخلُد المواطن الإسرائيلي إلى بعض التأمل في الذي جرى في أيام صيام في رحاب الأقصى تدنيساً ثم عشية فجر كان الناس في غزة يتأهبون لصلاة عيد استبد التوق بهم لتأديتها، فإذا بأبراجهم تتهاوى بصواريخ أمر بإرسالها نتنياهو غير آخذ في الاعتبار أن لكل واقعة سببها. وبالنسبة إلى الفلسطيني من غزة التي ارتهن ثوارها أنفسهم لإيران تستعملهم ورقة ساخنة لرفع العقوبات عنها وتهيئ النفس لاستعمال ورقة «حزب الله» المستكين إلى أن يتم الضغط على الأزرار إيذاناً باستعمال ألوف الصواريخ القابعة في الدهاليز، فإن جهاده هذه المرة جهاد نافض اليد من كثرة التأجيلات الدولية لحسم مصيره الوطني، ثم جاءت أحداث القدس والأقصى تضغط على ساعده وتحمله على أن يخطو الخطوة التي قد تجعل الدول المسترخية إزاء الموضوع الفلسطيني تشد من أزره ما دام اختار الكتابة في صفحة النضال الذي يحول دون وأد أي محاولة تعطي ما للفلسطيني للفلسطيني وما للإسرائيلي للإسرائيلي. وبذلك تستقر في بند الثوابت مقولة: «لا يضيع حق وراءه مُطالب». ويصعب وأد مسعى شريف المقصد سليم النية على نحو مبادرة السلام العربية التي تحقق قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وتؤكد ضرورة نقْل لبنان من حاله المزرية إلى دولة ينعم بها اللبنانيون بالحياد وتطمئن تبعاً لذلك نفوس الحادبين عليه.
ونخلص إلى الأخذ بالتفاؤل بالخير نجده، وعلى قاعدة ما ضاع حق وراءه مُطالب، سواء في لبنان الوطن والشعب المتحمل الإذلال من أُولي أمره، وفي فلسطين الغاضبة بدءاً بغزة فالقدس واللد إلى الجليل الأعلى، بحيث يقرأ العالم في صفحة الحياد للبنان والدولة المستقلة للشعب الفلسطيني متجاورة دولة إسرائيل. والقراءة بمعنى شق الطريق أمام المبادرتيْن بأمل وضْعهما موضع التنفيذ، كلتاهما العلاج الشافي لأكثر الأمراض استعصاءً. والله المعين والهادي إلى سواء السبيل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة