سياسة الولايات المتحدة في سوريا لـ2021

سياسة الولايات المتحدة في سوريا لـ2021

الاثنين - 28 شهر رمضان 1442 هـ - 10 مايو 2021 مـ رقم العدد [15504]
شارلز ليستر
- زميل ومدير قسم مكافحة الإرهاب بمعهد الشرق الأوسط

مرَّ أكثر من مائة يوم على دخول الرئيس جوزيف بايدن عتبة البيت الأبيض، وحتى الآونة الراهنة، ظلت جميع الجوانب الرئيسية لسياسات الولايات المتحدة في سوريا من دون تغيير يُذكر على نحو ما كانت عليه خلال الأيام الأخيرة من ولاية الرئيس السابق دونالد ترمب. ورغم أن جُلَّ اهتمامات الإدارة الأميركية في واشنطن في الوقت الراهن منصبة على استكشاف سبل المفاوضات مع الحكومة الإيرانية، فإن إدارة الرئيس بايدن لا تزال معنية تماماً بالمخاطر المتأصلة في سوريا غير الناعمة بالاستقرار، والخاضعة للرئيس بشار الأسد، الذي يعد من أكابر مجرمي الحرب في القرن الحادي والعشرين، ولنظام حكمه الغارق في الفساد.
ورغم أن نظام الأسد بات يسيطر الآن على ما يقرب من 63 في المائة من التراب السوري، فإن تلك النسبة لا تتجاوز في واقع الأمر السيطرة على 57 في المائة فقط من السكان داخل البلاد مع نسبة 38 في المائة فقط من إجمالي الشعب السوري، مع إلحاق اللاجئين والمغتربين إليهم. وكانت جميع استطلاعات الرأي التي أجريت على اللاجئين السوريين خلال السنوات الأخيرة قد أظهرت بالإجماع أنهم لا يريدون العودة إلى سوريا مع وجود بشار الأسد على رأس السلطة. والأسوأ من ذلك برغم كل شيء، أن هناك استطلاعات أخرى للرأي قد أثبتت أن السواد الأعظم من المواطنين السوريين الذين يعيشون في دمشق، الخاضعة لسيطرة النظام الحاكم، يفضّلون – وربما يرغبون – الفرار من البلاد على العيش تحت نير حكومة بشار الأسد الفاشلة.
وفي حين أن النظام السوري الحاكم بات يرسم اللمسات الأخيرة على الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن التساؤل الوحيد الذي يلح على أذهان الناس هو ما إذا كان بشار الأسد سوف يحرز نصراً انتخابياً معتاداً بنسب معروفة من 80 أو 90 أو 98 في المائة كما هو معهود. تماماً كما لو كنا في حاجة إلى المزيد من الأدلة على الطبيعة المزورة بالكامل للانتخابات الرئاسية السورية، فلقد تحدث أحد «منافسي» بشار الأسد في الجولة الأخيرة من الانتخابات، بصفة رسمية، حول كيف أن سوريا الحالية «لا تعرف الديمقراطية»، وأن «كل الانتخابات مزورة».
لا تزال سياسة الولايات المتحدة بشأن الأزمة السورية مرتكزة على مبدأ واحد؛ أن عمليات القمع الوحشية والاستثنائية التي مارسها نظام بشار الأسد ضد شعبه على مدى السنوات العشر الماضية تجعل منه شخصية غير مسؤولة، وغير جديرة بالقيادة، وغير قادرة على إرساء أسس الأمان والاستقرار لشعبه وعلى أرضه. وفي واقع الأمر، لا يزال بشار الأسد نفسه هو السبب الأصيل والجذري، وربما الأكثر فاعلية، في اندلاع ثم استمرار الأزمة السورية المريعة والممتدة لأكثر من عشر سنوات حتى الآن، ومن شأن منصبه الأول الذي يشغله في القصر الرئاسي في دمشق أن يكون مبعثاً لتأجيج المزيد من أعمال العنف والعصف بكل فرص الاستقرار لسنوات أخرى قادمة من عمر هذه الأزمة.
عليه، ولهذا السبب على وجه التحديد، تبقى سياسة الولايات المتحدة إزاء الأزمة السورية متسقة تمام الاتساق مع المعيار الدولي الحائز احترام الجميع، ألا وهو قرار مجلس الأمن الدولي 2254، الذي يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار مع البدء العاجل في المفاوضات السياسية على الصعيد الوطني السوري، الأمر الذي يسفر عن صياغة دستور سوري وطني جديد، مع صياغة جديدة لوجه الحكم في البلاد، ثم في نهاية المطاف، إجراء الانتخابات الرئاسية التي تتسم بالحرية والنزاهة، والخاضعة للإشراف والمراقبة الدوليين.
وحتى تنجح تلك المساعي المشروعة، سوف تكون الولايات المتحدة في حاجة إلى دعم واضح وأكيد من الحلفاء من ذوي وجهات النظر المتماثلة والآراء المتناظرة إزاء الأزمة السورية الراهنة. تأتي المؤشرات المتراكمة بشأن الاهتمامات الإقليمية المتزايدة على إعادة الارتباط الاقتصادي والدبلوماسي مع الحكومة السورية الحالية كأحد بواعث القلق الكبيرة والأكيدة عبر جميع المستويات المعنية في الإدارة الأميركية؛ إذ يعد قانون قيصر الأميركي الهادف لحماية المدنيين في سوريا، الذي يقضي بفرض مختلف حزم العقوبات على أي جهة تشارك في دعم أو إسناد نظام بشار الأسد مالياً، جزءاً كاملاً لا يتجزأ من القانون الأميركي، وليس من المتوقع أن ينتهي الأثر القانوني لهذا التشريع في أي وقت قريب على أي تقدير.
فإن أردنا تهميش واقع الانتخابات الرئاسية الصورية المقبلة في سوريا، نجد أن الأولوية العاجلة والقصوى للسياسة الأميركية الراهنة تتمثل في إعادة تأمين التفويض الصادر عن منظمة الأمم المتحدة في توفير المساعدات الإنسانية عبر الحدود السورية، وهو الأمر المطلوب بصفة عاجلة عبر منطقة الشمال السوري المتأزمة للغاية. هذا، وتعتزم الحكومة الروسية الاستعانة بحق النقض (الفيتو) ضد جميع القرارات الصادرة بشأن وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود السورية، وذلك في تصويت الأمم المتحدة المزمع إجراؤه في شهر يوليو (تموز) المقبل، ذلك الموقف – الذي إن اتخذته روسيا – سوف يُخلف ما يصل إلى خمسة ملايين مدني في سوريا محرومين تماماً، بين عشية وضحاها، من أي مساعدات إنسانية يمكن أن تصل إليهم. ومن شأن الجهود الدولية المتضافرة من قبل الحكومة الأميركية وحلفائها أن تحول بين وقوع هذا الاحتمال الخطير، الذي سوف يسفر عن اندلاع أسوأ أزمة إنسانية تشهدها منطقة الشرق الأوسط بأسرها منذ عقود مضت، مع بث الحياة في أوصال العنف والتطرف مرة أخرى هناك.
وفي شرق سوريا، لا تزال المئات من القوات الأميركية منتشرة في هذا الجزء من البلاد جنباً إلى جنب مع قوات سوريا الديمقراطية العاملة هناك، في جزء من الحملة العسكرية المستمرة في محاربة عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي صدرت عنه في الآونة الأخيرة أمارات مثيرة للقلق على التعافي ومحاولات حثيثة على ترتيب الصفوف من جديد. وفي الوقت الذي تُبذل فيه الجهود الخارقة لاحتواء عودة تنظيم «داعش» الإرهابي إلى درجة كبيرة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فإن عناصر التنظيم الإرهابي بدأت في العودة بصورة تدريجية وممنهجة في منطقة البادية الخاضعة لسيطرة النظام السوري الحاكم.. تلك المنطقة التي برهنت على عدم الكفاءة وعدم الفاعلية التي تتسم بها القوات الحكومية السورية، والقوات الروسية رفقة الميليشيات المدعومة من إيران. وإذا ما استمرت حالة التعافي الحثيثة التي يحاولها تنظيم «داعش» الإرهابي في المناطق الخاضعة لحكم بشار الأسد، فمن شأن حوض نهر الفرات وامتداده الطبيعي أن يسفر وبشكل حتمي عن زعزعة شديدة لحالة الاستقرار الهشة في المناطق الخاضعة لإدارة قوات سوريا الديمقراطية.
وعلى نطاق أوسع، يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية هائلة تتمثل في واجب مجابهة التحدي الضخم الذي يشكله عشرات الآلاف من عناصر تنظيم «داعش» السابقين والمقيمين حالياً في معسكرات الاعتقال. وتخاطر السياسة الأميركية الحالية المتمثلة في غض الطرْف تماماً عن هذه المعسكرات ومن فيها بإنتاج جيل جديد بالكامل من العناصر الإرهابية الشديدة الخطورة في قلب منطقة الشرق الأوسط.
وعلى نحو ما أشارت التقارير الإخبارية في الآونة الأخيرة، فإن منطقة الشرق الأوسط باتت قاب قوسين أو أدنى من رؤية سلسلة من المستجدات والتطورات الإقليمية البالغة الأهمية خلال الأسابيع المقبلة. ومحاولات الإقلال الجدية من الخصومات الإقليمية مع مواصلة العمل صوب إرساء أسس الاستقرار في منطقة أقل انقساماً لا يمكن تقييمها إلا بأنها من الأمور الجيدة للغاية، بيد أن الأزمة السورية تشكل في حد ذاتها مسألة مختلفة بالكلية.
أسفرت حالة عدم الاستقرار الناشئة من صميم الأراضي السورية عن زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط على الصعيد الإقليمي، مع إلحاق المزيد من الأضرار الواضحة بالأمن الدولي بشتى الطرق وعلى نطاق هائل منذ عام 2011 وحتى الآن. ومن شأن ذلك الأمر المواصلة والاستمرار من دون تراجع أو هوادة طالما بقي بشار الأسد على رأس السلطة في دمشق. لقد تمكنت الحكومة الإيرانية من إحراز مكاسب إقليمية لم تكن لتحلم بمثلها من قبل عبر الاستفادة الكبيرة من الفرص السانحة التي أتيحت لها من خلال الأزمة السورية الراهنة، تلك المكاسب من النوع الذي لا رجعة فيه، مع تعارضها المستمر مع مصالح الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في المنطقة.
لم يشهد الاقتصاد السوري دماراً محققاً بسبب العقوبات الاقتصادية الخارجية، وإنما مرجع ذلك هو مساعي الرئيس بشار الأسد الحثيثة للتمسك بالسلطة مهما كان الثمن، وليس من المتوقع ظهور أي قدر من الانتعاش الاقتصادي في سوريا مع استمرار زمرة بشار الأسد تحتل نفس مواقعها في نظامه الحاكم. لقد ازدهرت وانتشرت جماعات التطرف والإرهاب العنيف من شاكلة «داعش» و«القاعدة» وغيرهما من التنظيمات الإرهابية الأخرى، مستغلة حالة الفوضى وانعدام الاستقرار التي تعاني منها سوريا، ومستفيدة من جميع الأسباب الجذرية للأزمة التي لا تزال قائمة حتى اليوم، بل إنها أسوأ اليوم عن ذي قبل. وذلك فضلاً على التدخلات الخارجية، سواء كانت من قِبل تركيا، أو إسرائيل، أو روسيا، أو الولايات المتحدة نفسها، التي لا تزال مستمرة بفضل تشبث بشار الأسد بالبقاء في السلطة، وليس رغماً عن أنفه.
رغم أن سوريا تقبع في أصل الصراع الدائر منذ سنوات، فإنها تمثل جُرحاً نافذاً ومزعزعاً للاستقرار في قلب المنطقة الشديدة الحساسية بكل تأكيد. وما من دليل يشير إلى أن سوريا سوف تشهد العودة إلى حالة الاستقرار المنشودة مع بقاء بشار الأسد على رأس السلطة، ومن ثم، سوف تستمر سياسة الولايات المتحدة في العمل صوب الوصول إلى حل يتسق مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. وما من شك في أن سوريا لا تطرح من جانبها الخيارات السياسية الجيدة أو اليسيرة على أي حال، بيد أن العمل على بلوغ هدف الاستقرار الطويل الأمد، مع السعي الحثيث لتحقيق المساءلة عن الجرائم التي لا حصر لها والتي ارتكبت منذ عام 2011 وحتى اليوم، ينبغي أن يظل المحرك الأول لكل قراراتنا.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة