مذنبون... ويستحقّون التأنيب

مذنبون... ويستحقّون التأنيب

السبت - 26 شهر رمضان 1442 هـ - 08 مايو 2021 مـ رقم العدد [15502]
الياس حرفوش
كاتب و صحافي لبناني

من الصعب أن تجدَ بلداً غير لبنان يتعرَّض قادته لهذا القدر من الإهانات التي توجهها إليهم الحكومة الفرنسية، ويستمرون في فتح أبوابهم وأذرعهم أمام كل مسؤول قادم إليهم من باريس.
في حالة البلدان الطبيعية، التي يحترم فيها المسؤولون كرامة بلدهم ومواطنيهم، يُفترض أن يكون الجواب عن مثل هذه الإهانات: هذا بلدنا وليس مسموحاً لكم أن تتدخلوا في شؤوننا.
لكنّ السياسيين في لبنان يعرفون أنَّهم مذنبون، وأنَّهم يستحقون هذا التأنيب. ولذلك لا يملكون حتى القدرة على رفع الصوت اعتراضاً على الكلام الجارح الذي يسمعونه كلما التقوا مسؤولاً أجنبياً، يعرف ما ارتكبوه بحق بلدهم ومواطنيهم.
واحد من هؤلاء الزائرين قال في جلسة مع عدد من شخصيات المجتمع المدني المعارضين: «لو كان لبنان خاضعاً لاحتلال خارجي، لما فعل هذا المحتل بالبلد مثلما يفعل به حكامه».
مع ذلك، رغم التأنيب والتوبيخ، لا يرفُّ لهم جفنٌ ولا يعبأون لا بالنصائح ولا بالتهديدات. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: على ماذا يعتمدون في هذا التعنت، وما الذي يجعلهم يرفضون إتاحة الفرص لحلّ ينقذ البلد الذي ينهار، ويبتعدون، ولو لفترة قصيرة، عن خزائن السرقة والنهب، مثلما طلب منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون... لفترة ستة أشهر تسمح للبنان بأن يلتقط أنفاسه، وأن يضع مع جهات مانحة دولية، مثل صندوق النقد والاتحاد الأوروبي، مشروعاً اقتصادياً جدياً للإنقاذ؟
كانت زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان الأخيرة في سلسلة المحاولات الفرنسية لإنقاذ اللبنانيين من فساد قادتهم وزعمائهم. وكانت الرسالة التي حملها قاسية جداً. أولاً قبل وصوله إلى بيروت، من خلال تأكيده أنه يحمل رسالة قاسية إلى السياسيين الذين يعرقلون تشكيل الحكومة، وتهديداً بفرض عقوبات على المتورطين في الفساد، ورسالة تضامن مع اللبنانيين، لدعمهم في مختلف المجالات الصحية والتعليمية والاجتماعية. ثم من خلال ما نُقل عن الكلام الذي أسمعه للمسؤولين الذين التقاهم، عبّر فيه عن خيبة أمل فرنسا من عدم تجاوبهم مع دعواتها لتشكيل حكومة بسرعة تسهّل علاج ما أمكن من الأزمات التي يعاني منها لبنان. قبل الزيارة وخلالها، فصل لو دريان بشكل فاضح بين علاقته بالسياسيين وكلامه المتعاطف، خلال لقاءاته مع شخصيات شابة معارضة دعاها للالتقاء معه في مقر إقامة السفيرة الفرنسية. لم يكن هناك أوضح من تلك الرسالة: أن هؤلاء السياسيين ما عادوا يمثلون هذا الشعب.
أكثر من ذلك، تدخل لو دريان في مسألة التمثيل الشعبي من خلال الانتخابات النيابية المقبلة، فأكد ضرورة إجرائها في موعدها العام المقبل، ودعا المجموعات المعارضة إلى توحيد صفوفها والالتفاف حول مرشحين يمثلونها لتستطيع كسب أكبر قدر من التمثيل النيابي. وأضاف فوق ذلك أن فرنسا ستأخذ موقفاً مع حلفائها على الساحة الدولية، إذا جرت أي محاولة لتأجيل الانتخابات أو التلاعب بنتائجها.
بكلمات بسيطة، كانت زيارة لو دريان بمثابة تعرية كاملة للطبقة السياسية في لبنان، إذ فضحت حقها في الاستمرار في تمثيل شعبها بعد كل الارتكابات التي «أنجزتها» في كل المجالات المالية والاجتماعية والسياسية، حتى بلغ بها الأمر تهديد لقمة عيش اللبنانيين، بعدما نجحت في سرقة أموالهم ومدخراتهم.
وهي رسالة من بلد كان في الماضي منتدباً على شؤون لبنان، وتركه قبل ثمانية عقود في أيدي أهله ليديروا شؤونهم بأنفسهم، فوصل مع سياسييه الحاليين، وبسبب جشعهم وفسادهم وسوء إدارتهم وغياب أي شعور بالمسؤولية الوطنية لديهم إلى ما وصل إليه من انهيار على كل صعيد.
لكن زيارة لو دريان كانت أيضاً إعلاناً لانسحاب فرنسا من أي دور لها في لبنان، من خلال المبادرة التي سبق أن أعلن عنها الرئيس ماكرون خلال زيارته لبيروت في مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي. لقد فعلت فرنسا كل ما يمكن أن تفعله لكنَّها، كما قال المسؤولون فيها أكثر من مرة، لا تستطيع أن تحل مكان القادة اللبنانيين. «ساعدونا كي نستطيع مساعدتكم»، كانت الكلمات التي رددها وزير خارجيتها أكثر من مرة. على ماذا يعتمد قادة لبنان في تعنتهم وعدم مبالاتهم؟ سؤال يفرض نفسه دائماً. والجواب المؤلم أنهم يعرفون أن مقاعدهم محمية بقوة الغرائز والعصبيات الطائفية التي تدفع ناخبيهم إلى السير وراءهم، مهما كانت ارتكاباتهم. ويعرفون أن تبادل التهم بالمسؤولية عمّا وصل إليه البلد يضيّع الفاعلين الحقيقيين، في غياب رقابة صارمة لمنع الفساد في الإدارات، وعدم وجود قضاء مستقل يوفر ضمانة لملاحقة الفاسدين، بمعزل عن الحمايات السياسية والطائفية التي تتوفر لهم.
عقبات كثيرة كان واضحاً منذ البداية أنها ستقف في طريق مبادرة فرنسا، كما سوف تقف في طريق أي مبادرة أخرى. ومشكورون هم أصحاب النيات الطيبة تجاه هذا البلد المسكين. لكن الحقيقة أنه لن ينقذ لبنان سوى أهله، وهؤلاء مشتتون طوائف ومذاهب وقبائل... ولا وقت عندهم لإنقاذ بلدهم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة