من قيادة الدعم إلى هندسة التفاوض: كيف تحوّل الدور الأميركي في أوكرانيا؟

«البنتاغون» صاغ «انسحاباً من القيادة» ونقل عبء التمويل إلى أوروبا

أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)
أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)
TT

من قيادة الدعم إلى هندسة التفاوض: كيف تحوّل الدور الأميركي في أوكرانيا؟

أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)
أمين عام «الناتو» مارك روته مع وزراء دفاع الدول الأعضاء بالتكتل العسكري في بروكسل يوم 12 فبراير (أ.ف.ب)

مع دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس، بات واضحاً أن السنة الأولى من ولاية دونالد ترمب الثانية لم تكن سنة قرار بقدر ما كانت سنة إعادة تعريف: تقليصٌ تدريجي للدور الأميركي المباشر في قيادة جهد دعم كييف، مقابل هندسة ترتيبات تجعل أوروبا المموّل والواجهة السياسية، وتحوّل «البنتاغون» من «قائد ائتلاف» إلى «مدير شروط» يربط الإسناد العسكري بمسار تفاوضي سريع لم يكتمل بعد.

هذا التحول ظهر في شكلين متوازيين: داخل منظومة المساعدات لأوكرانيا، وداخل مقاربة واشنطن لحلف «الناتو» والأمن الأوروبي الأوسع، حيث أصبح الشعار الضمني «شراكة لا تبعية»، لكن بفلسفة تحمل في طياتها أخطار فراغ القيادة إذا لم تُترجم أوروبا الوعود إلى قدرات.

من «رامشتاين» إلى «الدول الراغبة»

أوضح مؤشرات تراجع القيادة الأميركية كان في الأطر التي كانت واشنطن تقود إيقاعها. فـ«مجموعة الاتصال الدفاعية لأوكرانيا» (معروفة بمجموعة رامشتاين) التي شكّلت منذ 2022 غرفة العمليات السياسية لتنسيق التسليح، انتقلت رئاستها فعلياً إلى بريطانيا وألمانيا، وتكرّس الغياب الأميركي في اجتماعات مفصلية عندما تغيَّب وزير الدفاع لأول مرة عن لقاءات كانت تُعدّ «اختبار حضور» للإدارة الأميركية، واكتفت واشنطن بتمثيل أقل وزناً أو مشاركة عن بُعد.

التغيير لم يكن بروتوكولياً فقط؛ إذ حين تتراجع واشنطن عن «قيادة المنصة»، تتراجع معها قدرتها على فرض إيقاع موحد على الحلفاء، خصوصاً بعد تغيير الأوروبيين تسمية المجموعة إلى «تحالف الدول الراغبة» للترتيبات طويلة الأمد والضمانات. وهو ما أدى أيضاً إلى ظهور إشارات فتور أو تحفظ أميركي مبكر، بما ينسجم مع فكرة أن واشنطن تريد من أوروبا أن تتقدم إلى مقعد القيادة لا أن تنتظر توجيهاً أميركياً دائماً.

الرئيس الأميركي وأمين عام «الناتو» يتحدثان خلال مؤتمر صحافي بقمّة في لاهاي يونيو 2025 (د.ب.أ)

وهنا يلتقط الباحث برايان كاتوليس من معهد الشرق الأوسط في حديث مع «الشرق الأوسط»، جوهر الصورة عندما يصف النهج في عامه الأول بأنه اتسم بالتقلب وعدم الاتساق: «هدف سياسي سريع لإنهاء الحرب، من دون استثمار كافٍ في الأدوات العسكرية والدبلوماسية التي تجعل (السلام السريع) ممكناً؛ ما يعني عملياً أن واشنطن أبقت الدعامة قائمة، لكنها استخدمتها لدفع الجميع نحو تسوية لم تنضج شروطها بعد».

«هدف جديد» يسبق أدواته

في خطاب إدارة ترمب، لم تعد الإشارة الأبرز نوع السلاح أو عدد الشحنات، بل تعريف «الغاية» نفسها. في مؤتمر ميونيخ للأمن، بدا وزير الخارجية ماركو روبيو أقرب إلى صياغة «منطق وسطي»: لا أحد «منتصراً» بسهولة، وواشنطن ملتزمة إنهاء الحرب، لكنها لا تعرف إذا كانت موسكو جادة فعلاً وما هي الشروط المقبولة لدى الطرفين، وهي صياغة تُبقي الباب مفتوحاً للتفاوض وتُبقي الضغط على كييف في الوقت نفسه.

غير أن الجديد في الأيام الأخيرة هو أن الخطاب الأميركي لم يعد كتلة واحدة. فبينما يكرر ترمب أن روسيا «تريد السلام» وأن كييف مطالبة بالمرونة، جاءت تصريحات روبيو عن خسائر روسيا الأسبوعية، «سبعة إلى ثمانية آلاف» حسب ما نُقل عنه؛ لتقارب رواية أوروبية تقول إن موسكو تدفع ثمناً باهظاً، لكنها تُراهن على الوقت وعلى تحسين شروط التفاوض. وفي الخلفية، يزيد ذلك التباين من انطباع الحلفاء بأن واشنطن تريد اتفاقاً سريعاً، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن «فرضه» وحدها.

ترمب برفقة قادة أوروبيين لبحث حرب أوكرانيا في البيت الأبيض 18 أغسطس 2025 (رويترز)

على المستوى التنفيذي، تُظهر تقارير سابقة عن قرارات إيقاف أو تأخير شحنات (ثم استئنافها) أن التحول لم يكن خطاً مستقيماً، بل شدّاً بين الرغبة السياسية وميكانيكا المؤسسة العسكرية. وهذا ما يلتقي مع تحليلات أشارت إلى أن واشنطن في عهد بايدن كانت تقود الائتلاف الغربي وتدفع الكونغرس إلى تمويل إضافي، بينما في عهد ترمب «تخلّت عن القيادة» وخفّضت المساعدات. وبعد تسليم ما تبقى من حزم سابقة، باتت معظم الأسلحة تصل بأموال الحلفاء، بل إن قيادة «البنتاغون» حاولت أكثر من مرة وقف شحنات ذخائر حساسة بالكامل.

زيلينسكي خلال مشاركته في أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 14 فبراير (أ.ف.ب)

واشنطن للأوروبيين: ادفعوا أنتم

التحول الجوهري لم يكن «وقف الدعم»، بل تغيير طريقته: تقليل التبرعات المباشرة من مخزون الولايات المتحدة، مقابل دفع الأوروبيين لشراء السلاح الأميركي وتمويل نقله إلى كييف. هذا المنطق تبلور فيما سمي آلية «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية» التي يعمل الحلف عبرها على تجميع مساهمات مالية لشراء معدات، خصوصاً دفاعات جوية وذخائر، من مصادر أميركية. وفي 12 فبراير (شباط) الحالي، أعلن الأمين العام لحلف «الناتو»، مارك روته، عن تعهدات «بمئات الملايين» لصالح هذه القائمة، مع إشارة إلى أن المزيد من التعهدات متوقعة.

أرشيفية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وأمين عام «الناتو» مارك روته في كييف يوم 3 فبراير (أ.ف.ب)

وبالتوازي، ضغطت واشنطن، سياسياً وإدارياً، لجعل هذا المسار «النموذج القياسي» بدلاً من الحزم الأميركية الكبيرة. وقالت وكالات أميركية إن قرار تعليق بعض شحنات الأسلحة بعد مراجعة مخزونات «البنتاغون» جاء أيضاً تحت عنوان «أولوية الأمن القومي الأميركي»؛ ما يضع سقفاً عملياً لما يمكن أن تتعهد به واشنطن من مخزونها في أي لحظة.

هنا يضيف الباحث مايكل روبين من معهد «أميركان أنتربرايز» في حديث مع «الشرق الأوسط»، زاوية تقنية مهمة عند تفسير «ما بقي وما تغيّر»: فالتعاون الاستخباري الأميركي مع كييف، بما في ذلك مشاركة المعلومات لتحسين الاستهداف والإنذار المبكر لهجمات المسيّرات والصواريخ، استمر، وهو عنصر تأثير لا يقل حساسية عن السلاح نفسه؛ لأنه يرتبط بحماية الأرواح وفاعلية الدفاع الجوي. لكن ما تغيّر، وفق قراءته، هو قطع جزء كبير من تدفقات التسليح التي كانت واشنطن تقدمها سابقاً، مع افتراض أن أوروبا ستملأ الفجوة.

«ناتو» أوروبي القيادة

خلال تدريب «الناتو» في بحر البلطيق قبالة ميدان بوتلوس للتدريب العسكري بألمانيا 18 فبراير 2026 (رويترز)

في السنة الرابعة من الحرب والأولى من عهد ترمب الثاني، لم يعد السؤال «كم تدفع أوروبا؟» فقط، بل «من يقود الدفاع التقليدي عن أوروبا؟». وقد جاءت الأسابيع الماضية بإشارات جديدة أكثر مباشرة: كبير مسؤولي السياسات في «البنتاغون»، البريد كولبي، تحدث في بروكسل عن «ناتو 3.0» تقوم فكرته على أن يتولى الحلفاء «المسؤولية الأساسية» للدفاع التقليدي عن أوروبا، مع بقاء التزام المادة الخامسة والردع النووي الأميركي. لكنه قال أيضاً إن الولايات المتحدة ستقلص القوات التقليدية في أوروبا، أي أن المعادلة تتجه نحو «ضمانات باقية» لكن بوجود أقل.

وتزامن هذا مع خطوة رمزية عملية أخرى: الولايات المتحدة ستُسلّم قيادة موقعين قياديين كبيرين داخل هيكل قيادة الحلف، في نابولي ونورفولك، إلى ضباط أوروبيين، بما يعزز فكرة «أوربة القيادة» داخل «ناتو»، حتى لو احتفظت واشنطن بقيادات عملياتية محورية أخرى.

هذه التطورات تتقاطع مع منطق الإدارة: تركيز أكبر على الصين والدفاع عن الوطن، وتحويل المسرح الأوروبي إلى ملف تقوده أوروبا بتمويلها وصناعتها وتسليحها، على أن تبقى واشنطن «الموازن الأعلى» لا «الممول الأول». غير أن هذا التحول، كما يحذّر الباحث كاتوليس، إذا لم يترافق مع استثمار كافٍ في أدوات الضغط والضمانات، قد ينتهي إلى دعم «يكفي للصمود»، لكنه لا يكفي لفرض شروط تسوية مستقرة، فتستمر الحرب بشكل أقل حدة لكن أطول زمناً، مع مفاوضات متقطعة لا تُنتج اتفاقاً دائماً.

خلال تدريبات «الناتو» على شاطئ فيسيك في بوتلوس بألمانيا 18 فبراير 2026 (أ.ب)

اليوم، يبدو دخول الحرب الأوكرانية عامها الخامس يمرّ عبر خطوط التمويل والقيادة بقدر ما يمرّ عبر خطوط الجبهة. وبينما تحاول واشنطن إبقاء خيط الإسناد قائماً عبر الاستخبارات وبعض القنوات العسكرية، فإنها تُحوّل الثقل المالي والسياسي إلى أوروبا، وتدفع «الناتو» نحو «قيادة أوروبية» مع تعهدات أميركية بالردع والمادة الخامسة. الاختبار الحقيقي في الأشهر التالية لن يكون في الإعلان عن الآليات، بل في قدرتها على إنتاج أثر ميداني يخلق «سلاماً مستداماً»، وفي الوقت نفسه يمنع أن تتحول «أوربة الملف» إلى انقسام غربي يقرأه الكرملين بوصفه فرصة جيوسياسية لتعزيز نفوذه.


مقالات ذات صلة

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

الاقتصاد صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، عبر شبكة معقدة من الإمدادات والأنابيب

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: تخفيف العقوبات على نفط روسيا يساعدها في تمويل حربها على أوكرانيا

دان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تخفيف العقوبات على النفط الروسي بعدما مدَّدت الولايات المتحدة إعفاء يهدف لتخفيف حدة ارتفاع الأسعار جرَّاء حرب الشرق الأو

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا ألكسندر لوكاشينكو رئيس روسيا البيضاء (أ.ب)

لوكاشينكو: مستعد للقاء ترمب فور إعداد «اتفاق كبير» بين أميركا وبيلاروسيا

قال ألكسندر لوكاشينكو، رئيس بيلاروسيا، إنه سيكون مستعداً للقاء نظيره الأميركي، دونالد ترمب، فور إعداد «اتفاق كبير» بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (مينسك)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
TT

الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)

نددت وزارة الخارجية ​البريطانية بإطلاق كوريا الشمالية لصواريخ باليستية مطلع الأسبوع، وحثت الدولة المنعزلة على ‌الانخراط في ‌دبلوماسية ​بناءة.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي يشرف على اختبار صواريخ باليستية مطورة (رويترز)

وقالت ‌وزارة ⁠الخارجية ​وشؤون الكومنولث ⁠والتنمية البريطانية في بيان صدر يوم الأحد «إطلاق الصواريخ الباليستية ⁠في 19 ‌أبريل ‌يمثل انتهاكا ​آخر ‌لقرارات مجلس ‌الأمن الدولي، مما يزعزع استقرار السلام والأمن الإقليميين».

وأفادت ‌وكالة الأنباء المركزية الكورية يوم ⁠الاثنين ⁠بأن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، أشرف يوم الأحد على تجارب إطلاق صواريخ باليستية ​قصيرة ​المدى مطورة.


تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».


الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة البريطانية: شبهات بضلوع وكلاء إيرانيين في حرائق بمواقع يهودية

صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة لندن (أرشيفية - رويترز)

ذكرت الشرطة البريطانية، الأحد، أنها تُحقق فيما إذا كانت الهجمات بإشعال حرائق متعمدة على مواقع يهودية في لندن، من عمل وكلاء إيرانيين.

وقالت شرطة العاصمة البريطانية إن رجال شرطة مكافحة الإرهاب يحققون في الهجمات التي استهدفت معابد يهودية ومواقع أخرى مرتبطة بالجالية اليهودية، بالإضافة إلى هجوم استهدف شركة إعلامية ناطقة باللغة الفارسية.

ولم يصب أي شخص في هذه الحرائق، وكان آخرها قد ألحق أضراراً طفيفة بمعبد يهودي في شمال لندن مساء أمس.

وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة، فيكي إيفانز، إن جماعة تُطلق على نفسها اسم «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» أعلنت عبر الإنترنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات.

وأضافت: «نحن على دراية بالتقارير العلنية التي تُشير إلى احتمال وجود صلات بين هذه الجماعة وإيران. وكما هو متوقع، سنواصل التحقيق في هذا الاحتمال مع تطور مجريات التحقيق».

وتابعت: «سبق أن تحدثت عن استخدام النظام الإيراني وكلاء من العناصر الإجرامية، ونحن ندرس ما إذا كان هذا الأسلوب يجرى استخدامه هنا في لندن».

ووصفت الحكومة الإسرائيلية «حركة أصحاب اليمين الإسلامية» بأنها جماعة حديثة التأسيس، يُشتبه في وجود صلات لها بجماعة تعمل «لحساب إيران»، وقد أعلنت هذه الأخيرة أيضاً مسؤوليتها عن هجمات استهدفت معابد يهودية في بلجيكا وهولندا.